Author: admin

الميثاق والتنمية الاقتصادية

الميثاق لم يكن وثيقة سياسية نظمت العلاقة بين الحاكم والمحكوم فقط، بل كان أشبه ما يكون بخارطة طريق وبرنامج عمل انعكس بصورة جلية على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعيه والسياسيه فكان منعطفاً كبيراً في تاريخ البحرين السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي إضافة إلى أن الميثاق هيأ للبحرين الدخول في مصاف الدول الديمقراطية العريقة والتحول الذي قاده حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، كان له تأثير كبير فيما يرتبط بالتحولات العديدة التي أعقبت الميثاق والتي انعكست على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية واقتصادياً. الميثاق خصص فصلاً كاملاً للشأن الاقتصادي وهو الفصل الثالث، لذلك من الطبيعي جداً أن يتأثر الاقتصاد الوطني إيجابياً بما تحقق من أهداف حرص ميثاق العمل الوطني على تحقيقها فمن يقرأ الميثاق جيداً يعرف أن طموحات الميثاق لا حد ولا نهاية لها فكل طموح يتم تحقيقه يقود إلى طموح أفضل وأكبر وهذا بالتحديد ما يدفعنا إلى اعتبار الميثاق وثيقة حية وحيوية وعلى الرغم من الإنجازات الطويلة والكبيرة إلا أن الطموحات مازالت كبيرة في تحقيق ما أكده جلالة الملك المفدى من خلال الميثاق، لذا جاءت مبادرات واسعة وعميقه أبرزها الرؤية 2030 التي أقرها جلالة الملك واوكل تنفيذها لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد، نائب القائد الأعلى، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، والتي تعتبر الدستور الاقتصادي لمملكة البحرين.

إن الميثاق شبك العلاقة بين الديمقراطية السياسية والتطور الاقتصادي فلم تعد السياسه والاقتصاد شيئين منفصلين كما يراها الكثيرون بل أصبح من الصعب الفصل بين السياسه والاقتصاد.

وقد أوجد الميثاق علاقه وثيقة بينهما فالميثاق فتح صفحة اقتصادية واستثمارية للبحرين باعتباره منطلقاً لتطورات سياسية واقتصادية وإدارية واجتماعية عدة، حيث ترافقت معه عدة مؤسسات دستورية وتنفيذية مثلت أدوات حقيقية للإصلاح فالاقتصاد البحريني تعافى من جميع الآثار السابقة بدءاً بالأزمة الاقتصادية العالمية التي عصفت بالقطاع المالي والأحداث التي شهدتها البحرين مطلع 2011 على الرغم من أنّ معدّل النّمو الاقتصادي في المملكة شهد تراجعاً إلا أنه إجمالاً لم يتعرّض الاقتصاد البحريني لأية انهيارات كارثيّة. وأصبح اقتصاد البحرين النجم الجديد الذي يزهو في سماء الخليج، فالمؤشرات الاقتصادية الصادرة من الجهات الرسمية الدولية تؤكد أن البحرين ما زالت من أهم المناطق الجاذبة للاستثمارات الأجنبية لما تتمتع به من موقع جغرافي متميز وأنها بوابة الدخول إلى أسواق الخليج حيث يؤكد توافد الشركات الأجنبية لفتح مشاريعها في مملكة البحرين على ما تتمتع به المملكة من ميزة تنافسية كبيرة كما أنه يثبت بأن المملكة لا تزال الوجهة المثالية للأعمال والاستثمارات في المنطقة.

إن الميثاق لم يوجد حالة انفتاحية في الشأن الاقتصادي فحسب بل أوجد حالة شفافية كبيرة ورقابة إدارية ومالية واضحة حيث تجلى أثر مجلس المناقصات وديوان الرقابة المالية والإدارية وإطلاق العديد من المؤسسات الأهلية في كافة القطاعات إلى أن تلك التطورات خلقت حالة الانفتاح والشفافية التي بات يتمتع بها العمل الحكومي البحريني مما أوجد مناخاً جذب العديد من المستثمرين والاستثمارات وخلق وظائف عدة للبحرينيين في هذه المشاريع ذات القيمة المضافة العالية للبحرينيين والاقتصاد الوطني فالميثاق أكد على الانفتاح الاقتصادي في خط موازٍ مع تطوير الإدارة العامة إذ لا يمكن للاقتصاد أن يكون منفتحاً ما لم تكن هناك إدارة عامة متطورة تواكب التطورات المجتمعية بصفة عامة حيث إن تطوير التشريعات وترسيخ الشفافية والمحاسبية والنزاهة وتكافؤ الفرص كلها أمور تصاحب تطور الإدارة العامة والمملكة قطعت شوطاً لا بأس به في هذا الاتجاه، وما تقرير الرقابة المالية الذي صدر مؤخراً إلا دليل على هذا التقدم حيث ساعد في حفظ المال العام واستغلاله بالشكل الأمثل.

إن هذا بالضبط ما سعى إليه جلالة الملك المفدى عندما أصدر مرسوماً بإنشاء ديوان الرقابة المالية والإدارية الذي يتبع جلالته فالديوان هدفه الأساس الحفاظ على المال العام والحال كذلك بالنسبة إلى مجلس المناقصات حيث تمكن المجلس من الحفاظ على المال العام وأسهم في خلق مناخ استثماري كبير وهذا ما كان جلالة الملك المفدى يتطلع إليه.

وحول أثر الميثاق في تطوير التعليم حرص عاهل البلاد على بث الحيوية في مفاصل التعليم ليواكب التغيرات والتطورات التي تحدث في العالم، فوجه وزارة التربية والتعليم إلى العمل على تأسيس مدارس المستقبل، عبر إدخال التكنولوجيا متمثلة في الحواسيب الإلكترونية ومتعلقاتها إلى المدارس، كما تم تطوير واستحداث العديد من المناهج وبخاصة مقرر المواطنة. كذلك شهدت البحرين طفرة في مجال الجامعات، حيث افتتحت العديد من الجامعات الخاصة بها إلى جانب الجامعة الأم جامعة البحرين.

من جهة أخرى ساهم الميثاق في إثراء المشهد الإعلامي مع اتساع الحريات التي منحها الميثاق والدستور للإعلاميين والمواطنين بشكل عام، وتمثل هذا الإثراء بصدور العديد من الصحف كالوطن والبلاد والنبأ وأسواق والتجارية إلى جانب صحيفتي أخبار الخليج والأيام بالإضافة إلى إصدار العديد من الصحف الإلكترونية.

وفيما يتعلق بحفظ الموارد واستغلالها فالبحرين قطعت شوطاً كبيراً فاق كل التوقعات، فالتقرير الذي صدر مؤخراً حمل علامات ومؤشرات عديدة وهامة. والمؤشر الأول والهام هو أنه مثل الجدية وأثبت عملياً بأن الحرص على الأموال العامة هو بالفعل هدف والمؤشر الثاني والمهم أيضاً هو أنه سمى الأشياء والمقصرين بأسمائهم من غير خوف ومن غير محاباة وهذا بحد ذاته يمثل قفزة كبيرة وهامة في هذا السياق فحفظ المال العام والمحافظة على الموارد الوطنية وحمايتها أمور لا غنى للتنمية الاقتصادية عنها.

ومن أبرز الإنجازات في عهد الميثاق أيضاً انخفاض نسبة البطالة وهذا دليل على سلامة ونجاعة القوانين والإجراءات التي تم اتخاذها حتى الآن وخاصة فيما يتعلق بتطوير التدريب وتأهيل قوى عاملة تلبي حاجات السوق وما صندوق العمل «تمكين» إلا نتاج لتنمية وتطوير التعليم والتدريب حيث بدأت تعي المؤسسات وبدأت تسير على خط موازٍ لحاجات السوق مما يبشر بالخير فمن الإجحاف حصر تعريف ميثاق العمل الوطني على أنه فقط وثيقة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم بل أن الميثاق دليل عمل للوطن يحدد معالم الطريق ويستكمل مؤسسات الدولة ونظمها. فالميثاق مشروع واضح المعالم قوي الأسس يلبي طموحات شرعية كبيرة وتطلعات المواطن البحريني ومن شأنه أن يجعل البحرين والبحريني في مصاف الدول الديمقراطية المتقدمه. وإن من يقرأ الميثاق جيداً يعرف أن طموحات الميثاق لا حد ولا نهاية لها فكل طموح يتم تحقيقه يقود إلى طموح أفضل وأكبر وهكذا وهذا بالتحديد ما يدفعنا إلى اعتبار الميثاق وثيقة حية وحيوية أطلقها جلالة الملك المفدى لتكون نبراساً يضيء الطريق لمستقبل البحرين وأجياله القادمة.

النمو الاقتصادي في ظل الميثاق

سطّر‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬فصله‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬بنوده‭ ‬السبع‭ ‬الرئيسة‭ ‬حقبة‭ ‬ذهبية‭ ‬متجددة‭ ‬من‭ ‬مسيرة‭ ‬البحرين‭ ‬الحديثة‭ ‬تجاه‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل‭ ‬وتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬رغدة‭ ‬للمواطن‭. ‬فقد‭ ‬احتوى‭ ‬الميثاق‭ ‬فصلًا‭ ‬خاصًا‭ ‬أسَس‭ ‬لجملة‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للمجتمع،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬مبدأ‭ ‬الحرية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬الملكية‭ ‬الخاصة،‭ ‬العدالة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتوازن‭ ‬في‭ ‬العقود،‭ ‬تنوع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ومصادر‭ ‬الدخل‭ ‬القومي،‭ ‬البيئة‭ ‬والحياة‭ ‬الفطرية،‭ ‬الأموال‭ ‬العامة‭ ‬والثروات‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وأخيرًا‭ ‬العمالة‭ ‬والتدريب‭ ‬مما‭ ‬أثمر‭ ‬بتدشين‭ ‬الرؤية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للمملكة‭ ‬2030؛‭ ‬لتكون‭ ‬أكبر‭ ‬برنامج‭ ‬اقتصادي‭ ‬متكامل‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين،‭ ‬والتي‭ ‬تستهدف‭ ‬بالمقامين‭ ‬الأول‭ ‬والأخير‭ ‬تحسين‭ ‬معدلات‭ ‬رخاء‭ ‬ورفاهية‭ ‬المواطن‭. ‬وتطمح‭ ‬الرؤية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الثروة‭ ‬النفطية‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬منتج‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬عالميا،‭ ‬ترسم‭ ‬الحكومة‭ ‬معالمه‭ ‬ويتولى‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬عجلة‭ ‬تنميته‭ ‬بشكل‭ ‬يوسع‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬بحيث‭ ‬ينعم‭ ‬المواطنون‭ ‬بمستويات‭ ‬معيشية‭ ‬عالية‭ ‬جراء‭ ‬زيادة‭ ‬معدلات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والوظائف‭ ‬ذات‭ ‬الأجور‭ ‬العالية،‭ ‬استنادا‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬الاستدامة‭ ‬والتنافسية‭ ‬والعدالة‭.‬

لقد‭ ‬نجحت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬دخلها‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬حيث‭ ‬يمثل‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الآن‭ ‬18‭.‬4‭ % ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬الحقيقي‭ ‬مقارنة‭ ‬مع‭ ‬44‭ % ‬تقريبا‭ ‬العام‭ ‬2000‭. ‬كذلك‭ ‬نمت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المباشرة‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬160‭ % ‬وسجلت‭ ‬رقما‭ ‬قياسيا‭ ‬عند‭ ‬733‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬وهي‭ ‬تدفقات‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬خلق‭ ‬2800‭ ‬وظيفة‭ ‬خلال‭ ‬3‭ ‬سنوات،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اقتصاد‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬جديد‭ ‬باكتشاف‭ ‬الحقل‭ ‬النفطي‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬80‭ ‬مليار‭ ‬برميل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬20‭ ‬تريليون‭ ‬قدم‭ ‬مكعبة‭.‬

إن‭ ‬الميثاق‭ ‬نقل‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬مؤسسات‭ ‬حبلى‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬تتجه‭ ‬صوب‭ ‬تغيير‭ ‬يسوده‭ ‬الازدهار‭ ‬بجميع‭ ‬مناحي‭ ‬الحياة‭.‬

هندسة الدعم الحكومي

يُعتبر الدعم الحكومي من أهم أنواع الدعم الأكثر تأثيرًا على مستوى معيشة عدد كبير من أفراد المجتمع، لذلك يجب تطبيقه في الدول باحترافية أكثر لأنه مثلما يؤثر بالإيجاب على مستوى معيشة الفقراء في الدولة فهو أيضًا يؤثر بالسلب على الموازنة العامة. وتعد الدول النامية الأكثر احتياجًا للدعم من أجل مكافحة الفقر ورفع مستوى المعيشة للأفراد وينظر إليه على أنه مجموعة من البرامج التي تهدف إلى مساعدة الأفراد والأسر الفقيرة. فجميع الحكومات في جميع أنحاء العالم تُقدم دعمًا لمواطنيها أحيانًا كنقد وأحيانًا في شكل تحويلات عينية من السلع والخدمات. وشكلت مسألة رفع الدعم أو إعادة هيكلة الدعم لغطًا كبيرًا في المجتمع البحريني في الفترة الأخيرة خصوصًا في ضوء ما تداولته الصحف عبر مصادر مطلعة لتكوين لجنة جديدة لإعادة هندسة الدعم في وسط تكتم حكومي كبير. وحجزت القضية مساحة واسعة في وسائل الإعلام البحرينية والندوات، والمجالس، واللقاءات وحتى الحكومة تتناوله من زاوية الموازنة العامة لأن الدعم يدخل في الميزانية ضمن بند المصروفات. وبالتالي فلتطرح الحكومة مدى استهلاك المواطن العادي من الدعم وكم حجم الاستهلاك الحكومي منه وكم هو استهلاك الشركات لتكون هناك مقاربات مقنعة للجميع وحتى لا نقع في نفس المشكلة مع غياب الشفافية عند طرح أي قضية من هذا النوع. فمحاولة إقناع الناس بنهج اقتصادي معين يلزم أن يكون مدعمًا وواضحًا، وممنهجًا بحيث لا تطرح الأرقام من طرف واحد، فلا بد من وضوح في طرح الأرقام لتجاوز النهج الغامض في المعالجات ويجب أيضًا اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة واتباع وسائل أكثر ابتكارًا وأكثر سهولة في تنفيذها والأهم من ذلك كله أن تكون تلك الإجراءات كفوءة حتى تكون أكثر تأثيرًا بالإيجاب على الفقراء، وأقل تأثيرًا بالسلب على الموازنة.

توطين الوظائف

هدفت سياسة «البحرنة» التي انطلقت في سبعينات القرن الماضي في البحرين في القطاعين العام والخاص، إلى حلّ مشكلة البطالة وخلق وظائف للبحرينيين وما يسمى توطين الوظائف، لكنها تطورت لاحقاً لتمكين المواطن البحريني من الحصول على أفضل الخدمات التدريبية والتعليمية، وعلى وظائف بأجور أعلى، إضافة إلى بيئة معيشية أحسن، وذلك من خلال حزمة تحفيزات ومميزات لتشجيع القطاع الخاص على توظيفه. ولا شك في اننا مازلنا للان نعاني من ارتفاع نسبة البطالة المنتشرة بين صفوف أبنائنا، والتي أدت الى ممارسات سلبية ظهرت على اثرها المشكلات السياسية والطائفية التي تجرعنا ويلاتها لفترة من الزمن الأمر الذي كان بمثابة دق لناقوس الخطر، لتظهر بعدها العديد من السياسات والرؤى التي عملت جاهدة نحو تطويع القوانين والظروف والموارد الراهنة لوضع خطط ناجحة وفاعلة نحو توطين الوظائف الحكومية والخاصة مع إدارة تدفق العمالة الوافدة وتعزيز فرص العمل المتاحة للمواطنين ولكن مشكلة البطالة في البحرين لم تحل، فعدد القوى العاملة في ازدياد ونسبة غير المواطنين من القوى العاملة أيضاً ونسبة البطالة ما زالت مرتفعة، ولا يزال القطاع الخاص يعاني من مشكلات البحرنة في الوقت الذي استطاع القطاع الحكومي توظيف غالبية البحرينيين. وفي إطار خطة الحكومة البحرينية لتعزيز فرص التوظيف أمام مواطنيها، رصدت للشركات نسبة معينة من المواطنين يجب توظيفهم في كل واحدة. وفي القطاعات غير الحيوية، تنخفض نسبة «التوطين»، وبالرغم من أن الدولة فرضت نظام الكوتا على أصحاب العمل في التسعينات، فقد اضطرت إلى تقليصها لنسب متفاوتة حسب القطاع في مراحل لاحقة لفشل المشروع الأولي. ومع بداية الألفية الجديدة، عمدت الدولة إلى طرح برامج تدريبية في مجال سياسات البحرنة، وتم تقليص التكلفة بين العامل الأجنبي والبحريني، وأُلغي قانون الكفالة، بالإضافة إلى توفير برامج تدريبية لتلبية حاجة السوق لوظائف دون غيرها. وأثبتت التجارب السابقه أن لا فائدة حقيقية في أسلوب توطين الوظائف الذي تستخدمه الدوله لمعالجة مشكلة البطالة، في نطاق تداعيات أزمة الموارد التي ترتبت على هبوط أسعار النفط ومداخيله، فالنموذج الاقتصادي للبحرين قائم على العمالة الرخيصة، وهذا ما يعطيه ميزة تنافسية في الاقتصادات الخليجية سواء في التسويق أو في وضع دراسات جدوى المشاريع المؤسسة على هذا النوع من العمالة، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى تمكين أصحاب الأعمال المحليين في الأسواق المحلية، والمشاريع الموجهة للتصدير، من التنافس في الأسواق المصدرة لها فليس من الممكن أن تتخلى الشركات المحلية عن إحدى الصفات المشجعة على التعاطي معها من أجل إحلال العمالة الأجنبية إلا إذا كان هناك ما يعوض هذه الخسارة أو أن هناك إرادة طيّبة، ففشل البحرنة يعود إلى تركيز سياساتها على جانب العرض دون النظر إلى ما هو متوافر في السوق من احتياجات، عدا أن هناك مشكلات انعكست على السياسات التي تطبق في التعليم والتوظيف والمنح وغيرها من المجالات ذات العلاقة، وثبت أيضاً أن إجبار أرباب العمل على توظيف نسبة محددة من المواطنين لا يجدي أحياناً. فبعض الموظفين من المواطنين لا يتعاملون كما يجب مع الزبون في حال دخوله المحل، لأنه يعرف ضمناً أن وجوده هنا في المتجر يجعل حكومته سعيدة، وأنه على الأرجح لن يُطرد من وظيفته إذا تصرف بطريقة غير لائقة، كأن لا يستقبل الزبون جيداً في حال دخوله المتجر.

ومن أهم الوسائل التي تحتاج إليها لكي تحبب الشركات في توظيف المواطنين هي أن تقلص فجوة الأجور بينهم وبين الأجانب، ومن جانبها أعلنت الحكومة عن فرض زيادة كبيرة على رسوم التأشيرات على العمال الأجانب وسمحت للشركات أن تتجاهل حصص التوطين إذا دفعت للحكومة رسوماً عن توظيف أي أجنبي، إلا أن المشكلة الأكبر هنا تكمن في غياب كفاءات بحرينية محلية تحل مكان الوافدة خلال السنوات القليلة القادمة، كما أن تأهيل البديل الوطني يتطلب سنوات طويلة، لاسيما في مجتمع اعتاد على رفاهية قدمها له قطاع الدولة على مدى عقود بفضل الطفرة النفطية، وهو ما أوجد ثقافة وتقاليد عمل مهنية ضعيفة للغاية في صفوف الشباب البحريني، خاصة في مجال المهن البسيطة والمتوسطة، فحين نراقب الوظائف ذات البيئة الجاذبة، لا بد أن نركز على المهن الذكية حيث تنخفض الحاجة إلى المجهود البدني وساعات العمل المضنية لمصلحة الاستغلال الأمثل للقدرات الذهنية كمجالات الحاسب الآلي والخدمات الاستشارية وخدمات التحليل وهي تحتاج إلى مؤهلات عالية وإتقان يسمح للمنافس أن يكون قادراً على التفاعل مع تطورات العلم والتقنية والتخصص الذي يمارسه وتبقى مجموعة من الوظائف ذات المردود المميز التي تتطلب مجهوداً أكبر من الوظائف التقليدية وتحليلاً جيداً وتدريباً مناسباً لتكون المجموعة الأكثر مثالية في السوق لمن لا يستطيعون ممارسة أي من النوعين الآخرين لأسباب أسرية أو لعدم وجود علاقة أو انخفاض التأهيل ويغلب على هذه المجموعة الارتباط بالمبيعات وهي مكونة من عدد غير محدود من الفرص الوظيفية.

واخيراً إذا كانت هناك إرادة لتوطين الوظائف فيجب أن تشرّع، وهو أمر غير كافٍ، إذ من الضروري أن يرفد بسياسات عملية وآليات لتنفيذ السياسات ومتابعتها بفعالية وفق برنامج تنفيذي، مع تقارير دورية عنها للتأكد من تحقيق النتائج المرجوة منها.

تداعيات البطالة المقنعة

بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬التداعيات‭ ‬الخطيرة‭ ‬للبطالة‭ ‬سواء‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭ ‬أو‭ ‬الوافدين‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬يصبح‭ ‬علاجها‭ ‬ضرورة‭ ‬لتحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬الشاملة،‭ ‬وقد‭ ‬قامت‭ ‬الحكومة‭ ‬الموقرة‭ ‬بانتهاج‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬نمو‭ ‬الظاهرة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تلافي‭ ‬كل‭ ‬سلبياتها‭. ‬

ترجع‭ ‬جذور‭ ‬تلك‭ ‬المسالة‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬السبعينات‭ ‬حين‭ ‬ارتفعت‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬مما‭ ‬أتاح‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتحديث‭ ‬الاقتصاد‭.‬

وخلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭ ‬تجمعت‭ ‬لدى‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬قاعدة‭ ‬عريضة‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬البيروقراطيين‭ ‬الذين‭ ‬يتقاضون‭ ‬أجورا‭ ‬مرتفعة،‭ ‬فيما‭ ‬أتيحت‭ ‬للقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬فرصة‭ ‬استقدام‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬ذوي‭ ‬المهارات‭ ‬المتوسطة‭ ‬الذين‭ ‬يتقاضون‭ ‬أجورا‭ ‬منخفضة‭. ‬

أدى‭ ‬هذان‭ ‬العاملان‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬فجوة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الأجور‭ ‬بين‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬وإلى‭ ‬تجزئة‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬المحلية‭.‬

وفي‭ ‬محاولة‭ ‬للحكومة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬بطالة‭ ‬قامت‭ ‬باستيعاب‭ ‬العاملة‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬لاعتبارات‭ ‬كثيرة‭ ‬منها‭ ‬توافر‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬وقيام‭ ‬الدولة‭ ‬بدور‭ ‬الرعاية‭ ‬دون‭ ‬اعتبار‭ ‬لبعدي‭ ‬الإنتاج‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬اعتبار‭ ‬التوظيف‭ ‬أحد‭ ‬مظاهر‭ ‬توزيع‭ ‬الدخل‭.‬

تكدس‭ ‬العمالة‭ ‬الوطنية‭ ‬بالقطاع‭ ‬الحكومي‭ ‬مع‭ ‬قلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬آنذاك‭ ‬لم‭ ‬يؤد‭ ‬إلى‭ ‬تنمية‭ ‬حقيقية‭ ‬إنما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬البطالة‭ ‬المقنعة،‭ ‬وعزل‭ ‬هذه‭ ‬العمالة‭ ‬المحلية‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬الأعمال‭ ‬والمهن‭ ‬الصناعية‭ ‬والمنتجة‭ ‬وإبعاد‭ ‬العناصر‭ ‬الشابة‭ ‬المتعلمة‭ ‬عن‭ ‬التخصصات‭ ‬الفنية‭ ‬مع‭ ‬إتاحة‭ ‬المجال‭ ‬واسعًا‭ ‬للاعتماد‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬الأجنبية‭. ‬وارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬الأجر‭ ‬الحكومي‭ ‬مقارنة‭ ‬بالقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬إقبال‭ ‬العمالة‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بالقطاع‭ ‬الأهلي،‭ ‬كما‭ ‬جعل‭ ‬أصحاب‭ ‬الأعمال‭ ‬يستوردون‭ ‬عمالة‭ ‬أجنبية‭.‬

وإلى‭ ‬حين‭ ‬التوافق‭ ‬في‭ ‬اعتبار‭ ‬الحكومة‭ ‬وعاء‭ ‬لاستيعاب‭ ‬فائض‭ ‬العمالة‭ ‬المحلية‭ ‬وترك‭ ‬السوق‭ ‬للعرض‭ ‬والطلب‭ ‬ستبقى‭ ‬المملكة‭ ‬معتمدة‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬الأجنبية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬وظفت‭ ‬كل‭ ‬مواطنيها؛‭ ‬نظرًا‭ ‬للمستقبل‭ ‬الزاهر‭ ‬واتساع‭ ‬حجم‭ ‬الأعمال‭ ‬بها‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬تفوق‭ ‬حجم‭ ‬عمالتها‭ ‬الوطنية‭.‬

ما بين البطالة الطبيعية والبطالة المقنعة

يسعى العديدُ من الأفراد في المجتمع للحصول على عملٍ في مجال ما سواءً أكان مُرتبطاً في دراستهم أو عن طريق الأعمال المهنيّة العامّة ولكن يُعاني الكثير منهم في صعوبة لإيجاد العمل المُناسب لهم بسبب عدم توافر الفرص الوظيفيّة المُتاحة دائماً أو لعدم توافق المُؤهّلات والخبرات الخاصّة بهم مع الأعمال المطروحة في سوقِ العمل ممّا يُؤدّي إلى تأخّرهم في الحصولِ على العمل وقد يتوقّف بعضهم عن البحثِ على وظيفةٍ مُناسبة وينتج عن ذلك زيادة في نسبة عدد العاطلين عن العمل.

ويُطلق على هذه النّسبة مُسمّى البطالة والتي يتمُّ جمع العديد من الإحصاءات السنويّة حولها لأنّها تُعتبرُ جُزءاً من المُعدّلات الاقتصاديّة العامّة لأيّ دولةٍ من دول العالم، ورغم تعدُّد تعريفات البطالة، فإن منظمة العمل الدولية، استقرَّت على أن «البطالة هي عدم العمل مع الرغبة فيه»، ويقصد بالعمل «العملُ الذي يجرُّ نفعاً ماديّاً»، وعرَّفت العاطل بأنه «كل مَن هو قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه ويقبَله عند مستوى الأجر السائد، ولكن دون جدوى «فربَط التعريفُ بين العمل والأجر من جهة وبين العمل والرغبة فيه من جهة أخرى وتعد البطالة من القضايا التي تُؤثّرُ على المجتمع بشكلٍ سلبيّ لأنّها تنتشر بين فئاتِ الشّباب القادرين على العمل لذلك لا تُستخدَم مُطلقاً مع الكبار في السنّ أو الأطفال أو الأفراد الذين يُعانون من أمراضٍ عقليّة وذهنيّة أو حاجاتٍ جسديّة خاصّة تمنعهم من القيام بأيّ نوعٍ من أنواع الأعمال والتي تُشكّل عوائقَ لهم فهؤلاء يُصنّفون خارج القوى العاملة للدّولة فالبطالة تعتبر مِنْ إحدى أكبر المُشكلات التي تعاني منها جميع الدّول في العالم لأنّها ترتبطُ بوجودِ نسبةٍ مِنَ الأفراد الذين يمتلكون القدرة على العمل ولكنهم يفتَقِرونَ لإيجادِ الوظيفةِ المناسبة لهم والتي تُساهم في تحقيقِ الدّخل الذي يُساعدهم على تغطيةِ احتياجاتهم الأساسيّة من المصاريف والالتزامات الخاصّة بهم. كما أنّ للبطالةِ مُعدّلٌ يرتبطُ في حسابِ نسبةٍ مئويّةٍ خاصّة بها والذي يعتمد على معرفةِ الأسباب التي تُؤدّي إلى ظهور البطالة في المُجتمعات كافّة والطُّرق المُناسبة للتّعاملِ معها بطريقةٍ صحيحة وأيضاً للبطالةِ مجموعةٌ من الأنواع المُختلفة والتي تُؤثّرُ بشكلٍ كبير على الاقتصاد الوطني بصفتها من إحدى المُعدّلات الرّئيسة المُرتبطة بالتّنمية الاقتصاديّة واهمها البطاله المقنعه حيث تظهر البطالة المقنعة إذا كان هناك جزء من القوة العاملة إما من دون عمل أو أن وجودهُ زائداً عن الحاجة الفعلية وبالتالي تكون إنتاجية هذا العامل صفرا وهي رغم ذلك بطالة لا تؤثر على الإنتاج الكلي.

وتنتشر البطالة المقنعة في الاقتصاد عندما تكون الإنتاجية منخفضة وأبرز صورها تكدس العاملين في الأجهزة الحكومية بما يفوق احتياجات تلك الأجهزة، وهذا النوع من البطالة أصبح ظاهرة مُنتشرة في مُعظم مؤسسات القطاع العام والأجهزة الحكومية.

وقد يظن البعض بأنّ مخاطر البطالة الظاهرة هي أكبر وأخطر من مخاطر البطالة المُقنعة لكنّ الجواب أنّ خطر البطالة المُقنعة لا يقل بسلبياته عن مخاطر البطالة الظاهرة، فاليوم سوق العمل يعاني من مشكلة كبيرة وهي ليتها تكون البطاله بل البطاله المقنعه، وهي الذهاب إلى مقر العمل دون وجود أي عمل سوى الجلوس على المكتب وانتظار وجبة الإفطار واستلام الراتب الشهري دون عمل. وهذا يعني أن البطالة المقنعة وظيفة أصبحت لها راتب فهناك عمال يعملون اسماً لا فعلاً ويقبضون أجوراً ورواتب دون أي إنتاجية فعلية، ويتكدسون في المنشات والمؤسسات الحكوميه دون أن تقتضي الضرورة الاقتصادية بوجودهم أي أنهم عمالة فائضة لا حاجة لها ولا تنتج شيئاً ويمكن أن يسير العمل بدونها حيث إذا سحبت هذه العمالة لن يتاثر حجم الإنتاج وهي موجودة بكثرة في أغلب إدارات القطاع العام حيث كان التعيين سابقاً يتم بشكل عشوائي وبدون دراسة حاجة هذه الإدارات إلى هذه العمالة حيث أضحت اليوم هذه البطالة المقنعة مشكلة كبيرة جداً للقطاع العام بكل أشكاله حيث أصبح مشبعاً بالعمالة الزائدة وهذه العمالة غير مؤهلة وكسولة تعودت أن تقبض الرواتب بلا عمل وهي اليوم تحتاج إلى معالجة لاسيما إعادة تأهيل وإعادة تدوير أو التسريح القسري او التقاعد المبكر.

وأيضاً هناك مشكلة أخرى وهي وضع الأشخاص في الأماكن غير المناسبة لهم وغير مؤهلين فالموظف للوظيفة وليس العكس، ولذلك يجب أن لا يظن المواطن أن الحملة العاطفية كافية لتوظيفه في أي موقع يريد دون أن تتوفر لديه متطلبات وشروط شغل الوظيفة، فما نحتاجه إلى جانب العاطفة هو برامج التعليم والتدريب المناسبة التي تخرج المواطن المنافس المطلوب بسبب قدراته وليس بسبب هويته. وأخيراً فنحن نتفق على أن الأولوية يجب أن تكون لحل مشكلة البطالة، وأن البحرنه المقننة قد لا تقضي على البطالة كما أن حل مشكلة البطالة بقرار إداري قد لا يحقق البحرنة.

وانطلاقاً من ذلك يمكن القول إننا أمام مشكلتين، مشكلة التعامل مع الوضع القائم، ومشكلة وضع أنظمة وتنظيمات للمستقبل، وعلينا أن نحذّر حتى لا تتجه كافة جهودنا نحو معالجة الأوضاع القائمة بأثر رجعي على حساب التخطيط للوضع القادم.

آفاق الصناعة في البحرين

لقد شهد العالم في السنوات الأخيرة تقدماً لم يسبق له مثيل في جميع المجالات، أدى إلى تغيير مفاهيم كثيرة كانت سائدة، ولقد شهدت البحرين فترة نمو كبيرة، أنشأت العديد من المشاريع في جميع الأنشطة الاقتصادية، ومنذ ذلك الوقت، أكدت الأهداف الاستراتيجية التنموية، سعي الدولة نحو تحقيق هدف تنويع مصادر الدخل، وهيأت المناخ الاستثماري المناسب، والبيئة الملائمة، بنمو مؤسسات صغيرة ومتوسطة من خلال توفير مرافق البنية الأساسية للمشروعات المختلفة وسنّت القوانين والأنظمة واللوائح التي تهدف إلى تنظيم وتطوير العمل في قطاعات الاقتصاد الوطني المختلفة.

وهنا لابد من الحديث عن هدف مملكة البحرين والمتمثل في تحويل اقتصادها إلى مجتمع حضري صناعي، والذي نراه الآن في السياسة والاستراتيجية التي يضعها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، فقد سار البناء الاجتماعي المتجدد في السنوات الثلاث الأخيرة بوتيرة سريعة جداً قبل أن تنفذ الموارد النفطية غير القابلة للتجدد والفكرة المتضمنة لهذه الاستراتيجية هي أن بإمكان اقتصاد البحرين أن يبني بدون مشكلات كبرى مجتمعات استهلاكية حديثة قادرة على إشباع الطلب الداخلي وعلى تكوين فائض كبير للتصدير.

ولقد نشأ في المملكه وبالأخص بعد العمل بالمشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، وهذا المشروع الإصلاحي الذي فتح للاقتصاد الحريه في جميع المجالات، ونشأت مؤسسات صغيرة ومتوسطة تقوم بدور كبير في تحقيق التنمية الاقتصادية وزيادة معدلات النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، وأصبح القطاع الصناعي أكبر مساهم في إجمالي الناتج المحلي، حيث تجاوز معدل مساهمة قطاع التمويل والعقارات.

والحقيقة أن الإنجازات الصناعية لم تتركز في القطاعات الصناعية الأساسية بل تجاوزتها أيضاً إلى القطاعات الصناعية الأخرى المتوسطة والصغيرة، والتي نمت نمواً كبيراً خلال السنوات القليلة الأخيرة مدفوعة في ذلك بقوى الدفع المتمثلة في المبادرات الفردية.

وعلى الرغم من توافر المقومات الأساسية لنمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لا يمكن تجاهل العوائق والصعوبات التي تعترض نموها، والمؤشرات تشير إلى وجود عقبات حقيقية تواجه الصناعة البحرينية الناشئة، وتحد بالتالي من القدرة التنافسية للمنتج المحلي، فالصناعات الصغيرة والمتوسطة قد توفرت لها فرص استثمارية في مجالات الإنتاج والخدمات المختلفة من الأنشطة الصناعية والتجارية والخدماتية، ولكن عدم توفر المواد الأولية ونقص المهارات البشرية مع توجه الاستثمار الخاص نحو أنشطة الخدمات من التجارة وقطاع المال والعقار أدى إلى عوائق في عملية نمو الصناعة، بالرغم من أن تلك الجهود الحثيثة التي بذلت في مجال الصناعة إلا أنه للأسف لم يتمخض عنها تغيير هيكلي يعتد به في الهيكل الاقتصادي حيث ما زال قطاع النفط يحتل المكان الاستراتيجي ويلعب الدور الحاسم في تحديد مستويات الدخل والتوظيف والإنفاق فيها، فانطلاقاً من واقع التحليل للصناعات التحويلية بحسب العلاقة القائمة بين حجم الطاقة الإنتاجية وحجم الطلب المحلي يمكننا أن نميز بين ثلاثة أنواع من الصناعات، النوع الأول، هو الصناعات التصديرية، التي ينبغي أن تقام على أساس التخصص، فهذا النوع من الصناعات الثقيلة، يحتاج إلى كثافة رأسمالية مرتفعة، وطاقات إنتاجية ضخمة، حتى يتوافر لها التشغيل الاقتصادي الأمثل، والنوع الثاني هو ما يمكن أن نطلق عليه الصناعات الإقليمية، التي يستلزم تشغيلها الاقتصادي توافر حد أدنى من الحجم الإنتاجي، ومن ثم توافر أسواق متسعة تستوعب هذا الحجم، ومن ثم الإنتاج بكلفة متوسطة منخفضة، وإذا ما نجحت هذه الصناعات، فقد يتسنى لها أن تنافس الصناعات المماثلة في السوق العالمي، أما النوع الثالث، فيمكن أن نطلق عليه الصناعات المحلية، وهو يشمل تلك الصناعات، التي يمكن أن تعمل بشكل كفء داخل حدود الدولة، لسد حاجة السوق المحلي. وعند النظر إلى سوق البحرين والذي يعاني في الأصل من صغر السوق المحلية وما ينتج عن هذا الصغر من ضرورة قيام وحدات إنتاجية محدودة العدد في كل نشاط من الأنشطة الصناعية بغرض الوصول إلى الحجم الاقتصادي الأمثل لهذه الوحدات نجد التنافس الشديد بين وحدات إنتاجية متعددة على حصص صغيرة من السوق لن تحقق لها أي قدر من وفورات السعة الداخلية ولن يتحقق لها بالنتيجة عائد مناسب من نشاطها الصناعي مما يدفعها إلى عدم اتباع الأساليب الإدارية الحديثة مع عدم وجود تنظيم إداري واضح لسير العمل في أقسام وإدارات المؤسسة الصناعية.

ومن هذا تتحصل الصعوبة التسويقية والتي تعتبر من أهم المعوقات التي تواجه الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ولهذا جهود الصناعيين يجب أن تتجه نحو البحث عن الفرص التسويقية وتطوير المنتجات وتكيفها مع متطلبات وأذواق المستهلك العالمي وعمل الدعاية والإعلان اللازمين والاتصال بقنوات التوزيع القادرة على إيصال المنتج إلى أسواق الاستهلاك المناسبة له.

أي أنه لابد من العمل على أسس مدروسة طويلة الأجل للبقاء في الأسواق العالمية وتنمية الصناعات التصديرية وعدم الاكتفاء عند حد اغتنام فرصة هنا وفرصة هناك. فحكومة حضرة صاحب الجلالة عاهل البلاد المفدى، قامت بدورها في توفير بيئة عمل بكل حرية فيما بين البحرين والعالم ويبقى دور التاجر البحريني في المبادرة ودخول الأسواق.

اليوبيل الذهبي للدبلوماسيه البحرينية

منذ صدور المرسوم رقم «1» لسنة 1969 من لدن المغفور له بإذن الله تعالى، صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، القاضي بإنشاء دائرة الخارجية التي كانت اللبنة الأولى والأساس لصرح وزارة الخارجية، وببلوغ الذكرى الخمسين لبدء العمل الدبلوماسي المنظم، يعكس هذا التاريخ خصوصية النهج الدبلوماسي الذي انتهجته مملكة البحرين في بناء علاقاتها الدولية مع مختلف الأمم والكيانات عبر العالم، منذ حضارتها القديمة حتى الآن. وهذا الإرث القوي تشكّل بفضل حنكة دبلوماسييها وإدارة ساستها المُحكمة لعلاقاتها مع مختلف دول العالم، فعلماء السياسة يقولون إن السياسة الخارجية للدولة هي انعكاس صادق وأمين لسياستها الداخلية كما يقولون إن السياستين الداخلية والخارجية هما تعبير عن الحقائق الموضوعية لكل دولة والتي تشمل تاريخها، وحضارتها، وثقافتها، واقتصادها، وطبيعة شعبها، وحكمة حكامها، ومدى اختيارها لمن يعبرون عن هذه السياسة. فمنذ القدم كان هدف مملكة البحرين الانفتاح على العالم من خلال إرساء علاقاتها مع العديد من الحضارات، فجزيرة البحرين كانت نقطة اتصال نشطة بين الشرق والغرب، بل كانت مركزاً فاعلاً للتجارة مع الحضارات القديمة والحديثة منها التي أحبّت البحرين لعدد من العوامل الخصوصية التي ميزتها عن غيرها من الدول كالتعايش الثقافي، والنماء الحضاري، والأهمية الاستراتيجية لموقعها الجغرافي وتميزت مملكة البحرين عن الدول الأخرى أيضاً في كونها دولة ذات نظام ملكية دستورية، وتشهد تجربة سياسية نموذجية في المنطقة وإن قيمة وأهمية تجربة التحول الديمقراطي في مملكة البحرين منذ بداية الألفية الثالثة هو كونها فتحت عهداً جديداً من رعاية حقوق الإنسان ومراعاة الحريات وبناء صرح الديمقراطية وسيادة القانون واحترام الدستور وإقرار الحقوق السياسية الكاملة للمرأة بما فيه حق التصويت والترشيح والانتماء لجمعيات سياسية وبذلك تساهم المملكة في رسم معالم التحول الديمقراطي في منطقة الخليج العربي عموماً بل ومنطقة الشرق الأوسط كافة.

وبوصف مملكة البحرين بلداً عربياً إسلامياً ويقع في منطقة استراتيجية ذات أهمية حيوية للاقتصاد العالمي انتهجت منذ استقلالها عام 1971 سياسة خارجية محددة المعالم تتسم بالعقلانية والتوازن وتقوم على مبادئ واضحة وهي سياسة محافظه على استمراريتها في ظل عهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، وستزداد إشعاعاً وتأثيراً في المحيطين الإقليمي والدولي. وتنطلق هذه السياسة من طبيعة انتماء المملكة العربي والإسلامي ومسؤولياتها الإقليمية والدولية حيث لم تدع البحرين سبيلا لدعم التعاون العربي والإقليمي والدولي إلا وبادرت إليه، كما أنها تتفاعل بشكل كبير مع قضايا الأمة العربية وتعمل على تحقيق تكامل العمل العربي المشترك في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية بالإضافة إلى دورها وجهودها الحثيثة في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة والتعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية، واتسام دبلوماسيتها بالحكمة والتوازن في التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية مما جعلها تحظى باحترام وتقدير مختلف المحافل والدوائر الإقليمية والعالمية ودراسة سياسة المملكة في تفاعلها مع المحيط الدولي يجب أن تحظى بعناية معرفية توازي أدوارها في المنطقة، إذ تتميز مملكة البحرين بنشاطها وحضورها المكثف في المحيطين الإقليمي والدولي حيث تميز سلوكها الدبلوماسي بمجهود متواصل من أجل لعب أدوار طليعة في منطقة الخليج العربي وفي منطقة الشرق الأوسط من خلال نهج سياسة متوازنة وفاعلة، تضع المصلحة الوطنية والقومية على رأس أولوياتها وتحرص على دعم كل ما فيه رفعة الأمة العربية والإسلامية وتشجيع وحدتها وتكاملها بما يحقق مصالح وطموحات شعوبه، مبرزة أهمية التعاون بين الدول والشعوب في إطار الالتزام بأسس ومبادئ الشرعية الدولية، متمسكة بضرورة تسوية كافة المنازعات الدولية بالطرق السلمية وحظر استخدام القوة للنيل من سلامة أراضى أية دولة أو استقلالها السياسي واحترام سيادة الدول الأخرى ومنع التدخل في شؤونها الداخلية وحقها في تقرير مصيرها، داعية إلى السلام الإقليمي والعالمي كهدف إستراتيجي، معتبرة التعاون بين الدول في مختلف المجالات أساسا لعالم أكثر استقرارا ورفاهية وتنمية الأمر الذي أكسب المملكة مكانة مرموقة على الساحة الدولية في ضوء التقدير الإقليمي والعالمي واسع النطاق للسياسة العقلانية والمتوازنة التي تتبعها المملكة بحنكة وخبرة عالية والى حكمة الدولة والحكومة واعتدالها وحرصها على إقامة علاقات جيدة مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية من ناحية وعلى المشاركة في السياسة الدولية بفاعلية سواء في الأمم المتحدة أو غيرها من التجمعات الدولية التي تنتمي إليها البحرين من ناحية أخرى.

ومن المعروف أن السياسة الخارجية تبقى في أغلب الدول بما فيها الديمقراطية بمثابة المجال المحفوظ لرئيس السلطة بشكل قد يعتبره البعض تهميشاً لباقي الفاعلين ولا سيما السلطة التشريعية التي تكتفي بدور ثانوي، وغالباً ما ينصب دور الجهاز التشريعي على محاولة تقييم القرار المتخذ وبحكم طبيعة نظام المملكه الدستوري فإن السياسة الخارجية البحرينية لا سيما ما يتعلق بتحديد اختياراتها الأساسية والاستراتيجية تبقى محصورة في يد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، الذي يستند في هذا المجال على أعراف وأحكام دستوريه علاوة على هذا الدور المحوري لجلالته واستناده في ذلك على تجربة سياسية طويلة كولي للعهد، الأمر الذي مكنه من مراكمة حنكة واسعة وخبرة كبيرة بالواقع الدولي في أبعاده المختلفة وفي تقلباته المتواصلة، ومن إدراك واقعي ومتزن لخيوط اللعبة الدولية والقوى المتحكمة في النظام الدولي بما يحقق المصلحة الوطنية للدولة، والحفاظ على سيادة الدولة ضد أي تهديدات داخلية أو خارجية.

خليفة بن سلمان… رجل الدولة المحنّك

نسمع‭ ‬كثيراً‭ ‬لفظ‭ ‬رجل‭ ‬الدولة،‭ ‬ويتحدث‭ ‬العامة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرئيس‭ ‬او‭ ‬الوزير‭ ‬أو‭ ‬المسؤول‭ ‬رجل‭ ‬دولة،‭ ‬في‭ ‬خلط‭ ‬عجيب‭ ‬بين‭ ‬ماهية‭ ‬الموظف‭ ‬الكبير‭ ‬ورجل‭ ‬الدولة‭ ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬موظف‭ ‬كبير‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬عنه‭ ‬رجل‭ ‬دولة‭ ‬فرجل‭ ‬الدولة‭ ‬هو‭ ‬الشخصية‭ ‬السياسية‭ ‬المحنكة‭ ‬المتملكة‭ ‬لقدرات‭ ‬فريدة‭ ‬تُمكّنها‭ ‬من‭ ‬قيادة‭ ‬بلادها‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬وفي‭ ‬الظروف‭ ‬الطبيعية‭ ‬بجدارة‭ ‬فائقة‭.‬

‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬يمتلك‭ ‬قدراً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تساعده‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬علاقات‭ ‬بلاده‭ ‬الخارجية‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بوحدتها‭ ‬الداخلية،‭ ‬فيتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأحداث‭ ‬حسبما‭ ‬تقتضيه‭ ‬الأحوال‭ ‬فيعرف‭ ‬متى‭ ‬يسير‭ ‬إلى‭ ‬قمة‭ ‬المواجهة‭ ‬ومتى‭ ‬ينسحب‭ ‬فمن‭ ‬يمتلك‭ ‬مقومات‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬يمكنه‭ ‬العبور‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬بر‭ ‬الأمان‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مترددا‭ ‬أو‭ ‬ضعيفا‭ ‬أو‭ ‬ذا‭ ‬شخصية‭ ‬متناقضة‭ ‬فالدولة‭ ‬لها‭ ‬أركان‭ ‬قوية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬قيادية‭ ‬من‭ ‬الطراز‭ ‬الأول‭ ‬لديه‭ ‬رؤية‭ ‬ثاقبة‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬قضايا‭ ‬امنية‭ ‬وسياسية‭ ‬واجتماعيه‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬ليرفع‭ ‬رأسه‭ ‬عالياً‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬سياسية‭ ‬متباينة‭.‬

‭ ‬وظهر‭ ‬مصطلح‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬الذي‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬وثباتها‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭ ‬وهو‭ ‬صاحب‭ ‬الرؤية‭ ‬السلمية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬مقاليد‭ ‬الأمور‭ ‬بحنكة‭ ‬وإتقان‭ ‬فرجل‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬الدولة‭ ‬داخليا‭ ‬وخارجيا‭ ‬وأن‭ ‬يكفل‭ ‬لكل‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬ممارسة‭ ‬جميع‭ ‬حقوقهم‭ ‬كاملة‭ ‬دون‭ ‬انتقاص‭ ‬أو‭ ‬جور‭ ‬عليها‭ ‬لأنه‭ ‬إذا‭ ‬احترم‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬حق‭ ‬المواطنين‭ ‬يستحق‭ ‬قيادة‭ ‬الدولة‭ ‬لأنه‭ ‬يعرف‭ ‬جيدا‭ ‬المحافظة‭ ‬عليها‭ ‬وحمايتها‭ ‬ويشترط‭ ‬لرجل‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬يتمتع‭ ‬بالهيبة‭ ‬والاحترام‭ ‬اللذين‭ ‬يوقران‭ ‬في‭ ‬عقيدة‭ ‬ونفوس‭ ‬المواطنين‭ ‬أنه‭ ‬رمز‭ ‬للدولة‭ ‬بما‭ ‬يوجب‭ ‬احترامه‭ ‬وعدم‭ ‬الاستهزاء‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬القيام‭ ‬بالمهام‭ ‬الملقاة‭ ‬عليه،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬موضع‭ ‬احترام‭ ‬وتقدير‭ ‬من‭ ‬المسئولين‭ ‬والمواطنين‭.‬

إن‭ ‬مميزات‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬تتطلب‭ ‬معرفته‭ ‬العميقة‭ ‬والواعية‭ ‬بالشئون‭ ‬المجتمعية‭ ‬العامة‭ ‬والإدراك‭ ‬بمتطلبات‭ ‬وهموم‭ ‬المجتمع‭ ‬بمختلف‭ ‬شرائحه‭ ‬وكيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬تتولد‭ ‬عن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬فرجل‭ ‬الدولة‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نموذج‭ ‬مثالي‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قائدا‭ ‬مدربا‭ ‬يعلم‭ ‬جيدا‭ ‬دهاليز‭ ‬الحكومة‭ ‬ويتمتع‭ ‬برؤية‭ ‬ثاقبة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬البلاد،‭ ‬فرجل‭ ‬الدّولة‭ ‬هو‭ ‬السياسي‭ ‬المبدع‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬رعاية‭ ‬شؤون‭ ‬النّاس‭ ‬مباشرة‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬أو‭ ‬بصفة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬وهو‭ ‬الرّجل‭ ‬الذّي‭ ‬يتمتّع‭ ‬بعقليّة‭ ‬الحكم‭ ‬ومتمكّن‭ ‬من‭ ‬فنون‭ ‬الادارة‭ ‬وهو‭ ‬الرّجل‭ ‬الذّي‭ ‬يتمتّع‭ ‬بعقليّة‭ ‬حلّ‭ ‬المشاكل‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التّأثير‭ ‬في‭ ‬سير‭ ‬العلاقات‭ ‬الخاصّة‭ ‬والعامّة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬فهذه‭ ‬حقيقة‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬وهذه‭ ‬الصّفات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬موجود‭ ‬بين‭ ‬عامّة‭ ‬الناس‭ ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬الحكم‭.‬

‭ ‬ان‭ ‬التّربة‭ ‬الملائمة‭ ‬لإيجاد‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬الأرضيّة‭ ‬التّي‭ ‬تكون‭ ‬مليئة‭ ‬بالأحداث‭ ‬السياسيّة‭ ‬وتكثر‭ ‬فيها‭ ‬التطوّرات‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬فيها‭ ‬للركون‭ ‬والهدوء‭ ‬فسمات‭ ‬رجل‭ ‬الدّولة‭ ‬سرعة‭ ‬البديهة‭ ‬وسرعة‭ ‬الرّبط‭ ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬بالتّعلّم‭ ‬فكثيرا‭ ‬ما‭ ‬تجد‭ ‬رجال‭ ‬دولة‭ ‬لم‭ ‬يدرسوا‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬ولم‭ ‬يكونوا‭ ‬أصحاب‭ ‬شهادات‭ ‬عليا‭ ‬بل‭ ‬يكون‭ ‬بالتّفاعل‭ ‬مع‭ ‬الوقائع‭ ‬والاستزادة‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لتفهمها‭ ‬وتفسيرها‭ ‬واتّخاذ‭ ‬الموقف‭ ‬تجاهها‭ ‬وهناك‭ ‬عاملا‭ ‬أساسيا‭ ‬على‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬الزامه‭ ‬بالإلمام‭ ‬بشؤون‭ ‬البلاد‭ ‬ومعرفته‭ ‬بمشكلاتها‭ ‬شرط‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬طرفا‭ ‬فيها‭ ‬فرجل‭ ‬الدولة‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬نظرة‭ ‬عمودية‭ ‬للحياة‭ ‬في‭ ‬بلاده‭ ‬لا‭ ‬نظرة‭ ‬أفقية‭ ‬وان‭ ‬لا‭ ‬ينحاز‭ ‬لأي‭ ‬طرف‭ ‬من‭ ‬الأطراف‭ ‬حتى‭ ‬وان‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬مشكلة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬ولكن‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مخلصا‭ ‬لحياديته‭ ‬وغير‭ ‬مصطنع‭ ‬لمواقفه‭ ‬أو‭ ‬مضطرب‭ ‬في‭ ‬قراراته‭ ‬فمواصفات‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬الوضوح‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬فصاحة‭ ‬ومعنى‭ ‬والتنفيذ‭ ‬السريع‭ ‬غير‭ ‬المتلكئ‭ ‬لما‭ ‬يعد‭ ‬والجرأة‭ ‬في‭ ‬أخذ‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة‭.‬

‭ ‬نسمع‭ ‬كثيراً‭ ‬لفظ‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬ويتحدث‭ ‬العامة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوزير‭ ‬أو‭ ‬المسؤول‭ ‬رجل‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬خلط‭ ‬عجيب‭ ‬بين‭ ‬ماهية‭ ‬الموظف‭ ‬الكبير‭ ‬ورجل‭ ‬الدولة‭ ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬موظف‭ ‬كبير‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬عنه‭ ‬رجل‭ ‬دولة‭ ‬فرجل‭ ‬الدولة‭ ‬هو‭ ‬الشخصية‭ ‬السياسية‭ ‬المحنكة‭ ‬المتملكة‭ ‬لقدرات‭ ‬فريدة،‭ ‬تُمكّنها‭ ‬من‭ ‬قيادة‭ ‬بلادها‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬وفي‭ ‬الظروف‭ ‬الطبيعية‭ ‬بجدارة‭ ‬فائقة‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬يمتلك‭ ‬قدراً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تساعده‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬علاقات‭ ‬بلاده‭ ‬الخارجية‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بوحدتها‭ ‬الداخلية‭ ‬فيتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأحداث‭ ‬حسبما‭ ‬تقتضيه‭ ‬الأحوال‭ ‬فيعرف‭ ‬متى‭ ‬يسير‭ ‬إلى‭ ‬قمة‭ ‬المواجهة‭ ‬ومتى‭ ‬ينسحب‭ ‬فيحني‭ ‬رأسه‭ ‬للعاصفة‭ ‬حتى‭ ‬تتجاوزه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬شخصيته‭ ‬وصورته‭ ‬لدى‭ ‬الآخرين‭ ‬أو‭ ‬حقوق‭ ‬وطنه‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬ليرفع‭ ‬رأسه‭ ‬عالياً‭ ‬ويختلف‭ ‬منطق‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬المناضل‭ ‬فرجل‭ ‬الدولة‭ ‬يحتكم‭ ‬للقانون‭ ‬وللعقل‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬وقضاياها‭ ‬بطريقة‭ ‬مجردة‭ ‬وموضوعية‭ ‬ويترك‭ ‬عواطفه‭ ‬وانفعالاته‭ ‬وأهوائه‭ ‬وانتماءاته‭ ‬جانبا‭.‬

‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬المناضل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬دغدغة‭ ‬العواطف‭ ‬واستمالة‭ ‬انفعالات‭ ‬الناس‭ ‬وأهوائهم‭ ‬مع‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬العقل‭ ‬فالانفعالات‭ ‬وتجييش‭ ‬وتهييج‭ ‬العواطف‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الاندفاعات‭ ‬وعواقبها‭ ‬ولعل‭ ‬التاريخ‭ ‬يحفل‭ ‬بنماذج‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الدولة‭ ‬ممن‭ ‬تركوا‭ ‬بصمات‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭ ‬فظلوا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬التاريخ‭ ‬رغم‭ ‬توالي‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬تسلموا‭ ‬المناصب‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬بعدهم‭.‬

‭ ‬ففي‭ ‬البحرين‭ ‬يحظى‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الامير‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬بدور‭ ‬سموه‭ ‬البارز‭ ‬واسهاماته‭ ‬على‭ ‬الاصعدة‭ ‬كافة‭ ‬فأهمية‭ ‬الاقتداء‭ ‬بشخصية‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬هدفها‭ ‬الأسمى‭ ‬هو‭ ‬رفع‭ ‬اسم‭ ‬البحرين‭ ‬عاليا‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬اوصل‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬مصاف‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬ونقلها‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال‭ ‬إلى‭ ‬مصاف‭ ‬الدول‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬فسموه‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬النادرة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬لها‭ ‬مثيل‭ ‬وهذه‭ ‬نعمة‭ ‬على‭ ‬البحرين‭ ‬وشعبها‭.‬

‭ ‬سموه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يتميز‭ ‬بحمل‭ ‬صفة‭ ‬رجل‭ ‬دولة‭ ‬ومهما‭ ‬صنع‭ ‬الآخرون‭ ‬لتقليده‭ ‬أو‭ ‬تمثيل‭ ‬دوره‭ ‬فهم‭ ‬ليسوا‭ ‬بقادرين‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬قدراته‭ ‬الخاصة‭ ‬ذلك‭ ‬انه‭ ‬الوحيد‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬تاريخ‭ ‬دولة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يشار‭ ‬إليه‭ ‬بالبنان‭ ‬نظير‭ ‬القرارات‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬اتخذها‭ ‬أو‭ ‬المشاريع‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬أو‭ ‬قام‭ ‬بإدارة‭ ‬صنعها‭ ‬فعندما‭ ‬نقف‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬كيان‭ ‬ناجح‭ ‬أو‭ ‬إزاء‭ ‬أي‭ ‬خلق‭ ‬مبدع‭ ‬أو‭ ‬حيال‭ ‬أي‭ ‬فكر‭ ‬وقّاد‭ ‬يستشهد‭ ‬البحرينيون‭ ‬فيقال‭ ‬رجال‭ ‬فكر‭ ‬ورجل‭ ‬دولة‭ ‬وقد‭ ‬قيل‭ ‬بأن‭ ‬لكل‭ ‬زمان‭ ‬دولة‭ ‬ورجال‭.‬

‭ ‬ورجل‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نجده‭ ‬بين‭ ‬ركام‭ ‬السياسيين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬خبرة‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬النواحي‭ ‬وان‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬مؤسساتها‭ ‬وتتناسق‭ ‬معا‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يتوّلى‭ ‬شأنها‭ ‬أناس‭ ‬لهم‭ ‬خبرات‭ ‬عالية‭ ‬المستوى‭ ‬بتصريف‭ ‬شؤون‭ ‬الدولة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتصف‭ ‬به‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬معرفته‭ ‬العميقة‭ ‬بشؤون‭ ‬مجتمعه‭ ‬ومتطلبات‭ ‬شرائحه‭ ‬وكيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬تحدثها‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬فانجازات‭ ‬سموه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حصرها‭ ‬ومهما‭ ‬قالوا‭ ‬أو‭ ‬تحدثوا‭ ‬لن‭ ‬يوفوا‭ ‬قدر‭ ‬سموه‭ ‬فسموه‭ ‬استطاع‭ ‬ان‭ ‬يبحر‭ ‬بهذا‭ ‬البلد‭ ‬إلى‭ ‬الرقي‭ ‬والازدهار،‭ ‬ودائما‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬هو‭ ‬محل‭ ‬تقدير‭ ‬واحترام‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ولكن‭ ‬عربيا‭ ‬وخليجيا‭ ‬والكل‭ ‬يشيد‭ ‬بجهوده‭ ‬والتي‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬سموه‭ ‬لبناء‭ ‬صرح‭ ‬البحرين‭ ‬التنموي‭ ‬وما‭ ‬قدمه‭ ‬سموه‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬لخدمة‭ ‬شعب‭ ‬البحرين‭ ‬واللسان‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬ذكر‭ ‬ما‭ ‬قدمه‭ ‬سموه‭ ‬للبحرين‭ ‬وأن‭ ‬سموه‭ ‬وراء‭ ‬تقدم‭ ‬البحرين‭ ‬تربوياً‭ ‬وثقافياً‭ ‬واقتصادياً‭ ‬وتعليمياً‭ ‬واجتماعيا‭ ‬فصاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬رجل‭ ‬الخير‭ ‬في‭ ‬عطائه‭ ‬وأن‭ ‬سموه‭ ‬الرمز‭ ‬والرجل‭ ‬الصادق‭ ‬ورجل‭ ‬دولة‭.‬

د‭. ‬يوسف‭ ‬حامد‭ ‬المشعل

محلل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الاقتصادية

‭ ‬والعلوم‭ ‬السياسية

استدامة نظام الضمان الصحي

بإصدار قانون الضمان الصحي قانون رقم «23» لسنة 2018 بتاريخ 7-6-2018 أصبح نظام الضمان الصحي البحريني الشامل خياراً استراتيجياً لتطوير جذري للنظام الصحي في مملكة البحرين. وباختلاف كبير بينه وبين أول وثيقة ضمان صحي إلزامي عالمياً والتي صدرت في ألمانيا عام 1883، حيث كان العمال يجبرون على دفع تكاليف العلاج وتطورت صيغة التأمين في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. فبريطانيا مثلاً لديها نظام وطني يمول بالأقساط الإلزامية والضرائب. وفي أمريكا يمول بالتأمين الخاص وباختيار نوع التغطية والطبيب بشكل ونوعية عالية من العناية والنظام إجباري. وعربياً فإن مصر كانت صاحبة أول وثيقة لتأمين العلاج الطبي في عام 1957، والكثير من الدول تحرص على نشر مظلة التأمين لتشمل غالبية مواطنيها إن لم نقل جميعهم، رغم زيادة حجم الاستثمارات الاقتصادية في الرعاية الصحية وخصوصاً المستشفيات الكبرى في ظل وجود تقنيات حديثة وتكنولوجيا طبية متطورة وأجور الخدمات الصحية الباهظة، وكذلك تكلفة العمليات الجراحية العالية، وارتفاع أسعار الأدوية. والتأمين الصحي تعريفاً عبارة عن اتفاق بين طرفين يتحمل فيه الطرف الأول النفقات المترتبة على الخدمات العلاجية المقدمة للطرف الثاني «فرداً كان أو جماعة»، مقابل مبلغ محدد يتم دفعة جملة واحدة أو على هيئة أقساط. والتأمين الصحي يعني أنه مقابل قسط معلوم مسبقاً يمكن للفرد والمؤسسة تجنب خسائر محتملة تؤدي لآثار اقتصادية واجتماعية وخيمة، وبالتالي فمن الأهمية بمكان وجود قسط معلوم يمكن احتسابه ووضعه ضمن الميزانية المرصودة مسبقاً، وبالتالي فان التأمين أحد الطرق الأكثر فعالية في التعامل مع الأخطار مع أهمية العمل على وجود منظومة تأمين صحي بأفكار مبتكرة، فوجود نظام صحي قوي سيكون له عظيم الأثر على زيادة الإنتاجية ومكافحة الفقر بأشكاله، باعتبار أن توفير معدلات الخدمة الجيدة ستدفع المواطن للوثوق بالحكومة، وسوف تعمل هي لصالحه ولصالح أولاده في المستقبل. ويجب العلم أن الضمان الصحي أو التأمين لا علاقة له بفقر الدولة أو غناها، فقد نجحت بعض الدول وهي أكثر فقراً من غيرها في صنع أنظمة تأمين صحي مثالية جداً، وفي غاية السهولة، والأمر لدينا يتوقف فقط على وجود إرادة قوية لدى الدولة، وتصميم على تقديم خدمات متميزة للمرضى بجانب إيجاد حلول مبتكرة للتغلب على مشكلة التمويل، وعند عرض مشروع أو قانون للتأمين الصحي يجب الأخذ أولاً بما هو أهم المشكلات التي يعاني منها النظام الصحي وهل يمكن حل جميع هذه المشكلات بإصدار وتنفيذ قانون للتأمين الصحي؟ أم أنها تحتاج لخطة شاملة للإصلاح الصحي يضمنها قانون فاعل للتأمين الصحي؟ وهل يحقق القانون تغطية شاملة للسكان في أقرب وقت وبخدمات مقبولة الجودة بالمعايير الدولية، وبتكلفة تتحملها الدولة والمواطنون؟ فالتأمين الصحي يقوم أساساً على مفهوم توزيع الخطر المتوقع الذي قد يواجهه الفرد، مما يؤدي إلى تخفيف الأعباء والتكاليف المترتبة عند معالجة الحالات المرضية الطارئة أو العادية التي يتعرض لها المؤمن عليهم وهو بذلك نظام اجتماعي يقوم على التعاون والتكافل بين الأفراد لتحمل ما يعجز عن تحمله أحدهم بمفرده، فشركات التأمين تنظم الاستفادة من توزيع الخطر لقاء أجر معلوم فهي أي شركات التأمين تتعامل مع الإنسان بما لديه من تباينات المتلقي للخدمة أي المواطن والمستفيد من عوائدها أي المستشفيات والأطباء. فقرار حدوث المطالبة وحجمها يحدث من المستفيدين منها، فعدم وجود خبرات متخصصه خاضعه لمتغيرات عديدة ومستمرة تتماشى مع التطور الطبي المستمر ونتيجة لندرة هذه الخبرات، فكلف التشغيل وتفشي ظاهرة سوء الاستخدام وكثافة المطالبات تصبح باهظة، فحداثة هذا العلم ومحدودية الخبرات المتراكمة في الأسواق الخليجية يمكن أن تؤدي إلى اللجوء إلى انتهاج سياسة التجربة والخطأ.

فقد أثبتت التجارب العملية لبعض البلدان أن العناية الطبية المجانية تشتمل على سوء استعمال وإسراف في استخدام المرافق الطبية والمعدات والأدوية، مما يمثل ضغطاً على ميزانيات الدول. ومن الأهمية التأكيد على أن الخدمات الصحية في البحرين تشمل المواطنين والمقيمين من خلال المستشفيات العامة والمراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة والوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى كما أن المستشفيات والعيادات الخاصة تغطي نسبة محدودة من الخدمات للمواطنين.

أما مع تغير الأوضاع الاقتصادية فقد أصبح من الصعب المحافظة على مجانية الخدمات الصحية العلاجية، حتى أن معظم دول الخليج بدأت تتقاضى رسوماً مقابل الخدمات الطبية التي تقدمها وخصوصاً من الأجانب. وبدأت بانتهاج مبدأ التأمين الصحي وبلغت الأقساط التأمينية فيها مئات الملايين من الدولارات.

وتأتي أهمية هذا المشروع لما تواجهه الخدمات الصحية في العالم من تحديات كبيرة لتوفير مستوى جيد من الخدمات بتكاليف يتحملها الفرد والمجتمع بالمشاركة لتجنيب الحاجة إلى الإنفاق المباشر من قبل الأفراد لمبالغ كبيرة لا يتحملونها خصوصاً أن تكلفة الخدمات الطبية كبيرة. وتزداد التكلفة بسبب التطور السريع للتقنية الطبية المكلفة والزيادة التضخمية في أسعار الأدوية والمواد الطبية. والملاحظ أن هناك عزوفاً من شركات التأمين عن التأمين الصحي فالنتائج المالية لهذا النوع من التأمين غير مرضيه سواء لشركات التأمين أو لشركات الإعادة.

ولذلك من الطبيعي أن تتجنب شركات التأمين إصدار عقود تأمين صحي لأفراد أو مؤسسات صغيره لاسيما أن معظم شركات التأمين عجزت عن أن تغطي مصروفاتها، بل تجاوز الأمر ذلك بحدوث خسائر، والسبب الرئيس في حدوث هذه الخسائر ما تشهده صناعة التأمين الصحي من سوء استخدام للخدمات الطبية المقدمة من خلال ما قدموا الخدمات والمستفيدون من الخدمات. ويمكن أن تكون هناك معوقات بسبب الجهات الرسمية والتشريعية كعدم وجود قوانين وتشريعات تحث على التأمين الصحي أو تلزم به مع التقصير في محاسبة مقدمي الخدمة ممن يثبت استغلالهم أو تكرار أخطاؤهم والتقصير في تحديد الأجور الطبية والتقصير وفي الإشراف على مقدمي الخدمات الصحية وضعف أو انعدام الرقابة السليمة لعدم وجود الكفاءات المؤهلة في الإدارة الصحية والأهم نقص أو انعدام نظم المعلومات والإحصاءات والدراسات عن اقتصاديات الخدمات الصحية بما في ذلك التأمين الصحي.

فمن الواضح أن البحرين تحتاج لتطوير خدماتها الصحية إلى خدمات مستدامة عالية الكفاءة والفعالية قادرة على تقديم خدمة جيدة للمواطنين والمقيمين ضمن شراكة فعالة بين القطاع العام والخاص والتحول إلى نظام صحي تكافلي شامل.

خلاصة القول، أن نجاح صناعة التأمين الصحي في البحرين يرتبط بتحقيق معادلة تضمن حصول المؤمن على خدمة جيدة وحصول مقدمي الخدمة على حقوقهم المنصفة وحصول شركات التأمين على نتائج مالية معقولة وهذا بحاجة إلى أن مجلس النواب يبدأ في دراسة بعض المشاريع بقانون من الآن حتى لا يجبروا على قبول أمور قد تكون ليست في صالح المواطن والمقيم عند تقييم مشروع الحكومة من قبل المجلس.