الديمقراطية والنمو الاقتصادي العالمي

يعتبر النظام الديمقراطي واحد من أنظمة الحكم القليلة التي تستند إلي فكرة الحد من سلطات الحكومة خاصة في المجال الاقتصادي فلا عجب إذا أن يصار الى ربط موجة التحول إلي الديمقراطية بالاضطرابات التي تحصل في نفس الوقت في الأنظمة الاقتصادية. واليوم لم تعد التحديات الرئيسية في السياسة الاقتصادية تتمثل في المحافظة علي الأنظمة التي تضعها الدولة بل في التخصيص (تحول المشاريع التي كانت تملكها الدولة إلي القطاع الخاص ) والتعديل الهيكلي والتنمية التي تقوم علي المشاريع الخاصة وكل هذه أعمال يسفر عنها تقليص كبير في سيطرة الحكومة علي الاقتصاد. ومع إن الكثير من الناس يعزو انبعاث الديمقراطية إلي أسباب اقتصادية عامة فان الأمر هو اشد تعقيدا من ذلك بكثير فعملية التحول التي تقوم بها اليوم بلدان في مختلف أنحاء العالم تظهر أن للتغيير السياسي والاقتصادي طبيعة واحدة لا تنفصم ولاشك في إن نتائج دراسة الإصلاح الاقتصادي تعكس وحدانية هذه الطبيعة وعدم انفصامها بمحاولتها قياس التزام الحكومات بعملية الإصلاح الاقتصادي. إن سياسة التغيير الواسع النطاق تتناول عدة عوامل مثل حاجة الإنسان إلي حقوق سياسية وحريات اقتصادية مدنية. كما إن التحول إلي الديمقراطية لا يشير قدما دائما دون أن يصاب بنكسة أو يتراجع فنجاح أو فشل هذا التحول يعتمد علي صفات القيادة بين أولئك الأشخاص الشجعان الذين يعملون في سبيل التغيير كما يعتمد علي حكمة الذين يمسكون بالسلطة ومع إن التغييرات التي حصلت في السنوات القليلة ألماضيه تعالج صورة رئيسية العلاقة بين الهياكل السياسية والاقتصادية الجوهرية يجب ألا يغيب عن الأذهان توق الإنسان وحاجاته الأساسية إلي الحرية والكرامة إضافة إلي عوامل أخري لا تحصي. عندما تدرس التغيرات السياسية والاقتصادية التي حصلت في عدد من البلدان في العقد الماضي لا يظهر نمط واحد لها. ويمكن تمييز مجموعات رئيسية علي الأقل من البلدان التي تمر في مرحلة التحول الديمقراطي. هذه المجموعات توفر منطلقا للنظر في القضايا الأساسية التي تواجهها كل منها في المحافظة علي الديمقراطية أو تطويرها وكذلك في المحافظة علي النمو الاقتصادي أو تطويره ونظرا إلي تاريخ هذه البلدان نجد مستويات متباينة جدا من الصعوبة في تحقيق الهدف الذي اختارته والمتمثل في بناء مجتمعات ديمقراطية يستند اقتصادها إلي قوي السوق. القلة المحظوظة من هذه البلدان وهي التي يتم بناء الديمقراطية فيها في أوضاع اقتصادية سليمة مزدهرة نسبيا مهمتها أسهل المهام فان علي القادة أن يعملوا في سبيل وضع أنماط جديدة لعملية صنع القرار وبناء مؤسسات سياسية يشارك فيها الشعب وفي نفس الوقت علي هؤلاء الزعماء أن يحافظوا علي سياستهم الاقتصادية التي توجهها قوي السوق في وجه ضغوط سياسية جديدة تدعوا إلي إعادة توزيع الثروة والي الإنفاق علي البرامج الاجتماعية والقضية هنا هي قضية بناء ثقافة سياسية تدعم نهجها الاقتصادي الناجح جدا. ولكن معظم البلدان النامية يواجه تحديا مزدوجا يتمثل في بناء مؤسسات سياسية ديمقراطية فيما يقوم بتعديلات هيكلية جوهرية في المجال الاقتصادي. في هذه البلدان تزيد من تعقيد سياسات الإصلاح الاقتصادي الحاجة إلي كل من التقشف في الإنفاق الحكومي والتصدي للمصاعب الحقيقية التي تعانيها قطاعات كبيرة من السكان وعلي القادة الديمقراطيين الجدد أن يتحاشوا مخاطر التودد إلي الشعب إذا كانوا لينجحوا علي الصعيد الاقتصادي ومع هذا عليهم أيضا المحافظة علي ما يكفي من النمو الاقتصادي المباشر لبناء أسس متينة لثقافة سياسية ديمقراطية والنجاح الذي تحقق في بعض البلدان إلي حد ادنى يبين أن القيادة الماهرة يمكنها إن تنمي ثقافة سياسية تدعم عملية التعديل الاقتصادي المؤلمة. وعلي الديمقراطيات الحديثة ألا تكتفي بتغيير مؤسستها السياسية الاقتصادية وحسب بل عليهم أيضا أن تتعامل مع جميع مؤسساتها الاجتماعية والسياسية والثقافية. وبخلاف الديمقراطيات الجديدة في البلدان النامية, فان القضية هنا ليست قضية إصلاح اقتصادي يستند إلي المبادرة الحرة ويتضمن بعض عناصر اقتصاد السوق الحديثة, ولكن كل مؤسسة رئيسية يجب أن يعاد بنائها حتى في حين يجري العمل علي توسيع وتعزيز نطاق القطاعات التي تزدهر فيها المشاريع الصغيرة والعمل على اعتماد التخصيص في معظم الصناعات وحجم التحديات يختلف أيضا بين بلد وآخر حيث تتميز بعضها بان لديهما قطاعا خاصا كبيرا نسبيا كما إن التقاليد والأعراف التاريخية لدي كل بلد تختلف عنها في البلدان الاخري ولكن هذه مهما كانت قديمة وضيقة النطاق تعتبر حيوية للجهود التي تبذلها تلك البلدان لإرساء القيم الأخلاقية والأدبية الضرورية لمجتمع ديمقراطي والتي تشجع روح المبادرة والإبداع والمسؤولية والحرية.

إن القضايا الأساسية التي يتعين علي البلدان أن تحلها كي تحقق تقدما سياسيا واقتصاديا هي من بعض النواحي تراكمية والقلة المحظوظة من هذه البلدان تواجه قضايا إنشاء المؤسسات السياسية الديمقراطية وحسب في حين يتعين علي معظم البلدان الاخري أن تعالج أيضا قضايا التعديل الهيكلي الضروري لقيام اقتصاد يستند إلي قوى السوق وبعضها يجب إن يبدا من مستوي أساسي أكثر يتمثل في تغيير نظام القيم لديها وتحويل مجتمعاتها إلى مجتمعات ديمقراطية.وبالطبع فان احتمالات النجاح في سبيل بناء أنظمة ديمقراطية يستند اقتصادها إلي قوة السوق ومفاهيم هذه البلدان لأنواع المؤسسات السياسية التي يمكن أن تنجح لديها تختلف بين بلد وأخر كما تختلف أيضا أفكارها من ناحية الدور الصحيح الذي يجب أن تلعبه الحكومة في المجال الاقتصادي ومع هذا فان الكثير من هذه البلدان اتخذت القرار بان تبدأ مؤكدة الاستحسان الذي تلقاه الديمقراطية في العالم. ولكن الديمقراطية ليست كل شي والانتخابات الحرة والحريات السياسية الأساسية أمور ضرورية لكنها ليست كافية وليست الانتخابات بالضرورة الخطوة الأولي لبناء مجتمع ديمقراطي فالعديد من البلدان ينشي مؤسسات يشارك في أعمالها الشعب في القطاعين العام والخاص. وفيما تسير الإصلاحات الاقتصادية الضرورية قدما ستواصل قطاعات من أمثال مؤسسات الأعمال الخاصة والصحافة الحرة والاتحاديات العالمية والجمعيات المدنية الاخري نموها وترسيخ مكانتها وزيادة قدرتها في التأثير في قرارات الحكومة, واضعة بذلك الأساس لقيام مجتمعات ديمقراطية في المستقبل. ومع تطور هذه المؤسسات ونموها يستغرق وقتا, فان المساعدة التي تقدمها البلدان الصناعية يمكن أن تسرع هذه العملية. والمجموعة الأسرع من البلدان التي تقم فيها مؤسسات ديمقراطية مستقرة إلي حد ما تتطلب مساعدة أيضا فرغم تقاليدها الديمقراطية الراسخة غالب الأحيان, تعاني بعض هذه البلدان من أعمال عنف داخلية وحركات انفصالية تتسبب فيها في الغالب قضايا اثنين، توزيع غير عادل للدخل وأداء اقتصادي ضعيف فلا يمكن ضمان بقاء المؤسسات الديمقراطية دون حصول تغييرات جوهرية في الهياكل والسياسات الاقتصادية.لا تزال أصعب القضايا قضية مستقبل بلدان الشرق الأوسط وكامل العالم الإسلامي. ويمكن اعتبار التقدم الذي تحقق في بعض البلدان حجة للقول بان من الممكن أن تتطور في نهاية المطاف قيم ديمقراطية تنسجم مع الثقافة الإسلامية. ومن الناحية التاريخية تكيفت القيم المسيحية والكنفوشية مع مستلزمات الاقتصاد الحر والديمقراطية في دول علمانية، لدى النظر إلي الإسلام عن بعد يتوهم المرء انه يشكل نظاما حضاريا واحدا, أو نظام قيم واحد ولكنه في الواقع يتسم بالكثير من التنوع وهو يتغير باستمرار. وما يؤمل للعالم الإسلامي هو أن تؤدي رغبة أهله في العيش بكرامة والتمتع بالحريات السياسية والحريات المدنية إلي المساعدة في تكييف الحضارة الإسلامية مثلما فعلت هذه الأمور بحضارات أخري عبر التاريخ. ويقوم الديمقراطيون العرب الشجعان, بتشكيل جمعيات المجتمع المدني التي توفر القيادات الأخلاقية والمعنوية الضرورية للتقدم. وإزاء اتجاهات متسلمي السلطة إلي الإبقاء علي الأنظمة القائمة فلقد انتهت حرب الأفكار التي طغت علي القرن العشرين, وأصبحت الأفكار من قبيل فكرة الديمقراطية وفكرة الأنظمة الاقتصادية التي تستند إلي قوة السوق مقبولة في معظم أنحاء العالم. والتحول إلي الديمقراطية في العوام القليلة الماضية, وعمليات التحول المقبلة مرددها عدد من العوامل السياسية والاقتصادية ونشدان الناس في كل مكان نوعية أفضل من الحياة. ومع أن الاتجاهات الحالية التي عرضة أنفا تبرز مختلف الطرق التي تؤثر فيها العوامل الاقتصادية في التغييرات في الأنظمة السياسية وتتأثر بها فأنها تدحض إي فكرة تقول إن التغيير الاقتصادي وحده يسبب قيام الديمقراطية. ويجب للقيم الديمقراطية أن توفر الأساس للشرعية اللازمة للتغلب علي التحديات التي يكتنفها الإصلاح السياسي والاقتصادي.ولكن هناك عقبات متنوعة تواجه كلا من الدول التي هي في مرحلة تحول وتتراوح هذه العقبات بين الأسهل مثل إقامة نظام ديمقراطي في ظروف اقتصادية مواتية, والأصعب مثل مواجه تحديات جوهرية من قبيل القيام بتحول اجتماعي كامل. والعقبة المشتركة التي يواجهها الجميع لدي إقامة الديمقراطية هي تجربة المؤسسات.الديمقراطية ومؤسسات اقتصاد السوق وباختصار اختبار كيف تعمل المجتمعات الديمقراطية التي تعتمد اقتصادا يستند إلي قوي السوق. قليل من الناس يدرك صعوبة إنشاء وإدارة البنية التحتية المؤسساتية اللازمة لمجتمع عصري. وفيما تواصل بعض البلدان تغيير وتعديل هياكلها, أخذت بلدان أخرى تكتسب أفكارا جديدة عن هذه القضية. ومن أكثر التعليقات تكرارا في العام الماضي ذلك القائل” السوق لم تبرز” وما يعني ذلك ضمنا أن نظام الاقتصاد الحر ينشىء نفسه بنفسه تلقائيا. وهناك تعليقات مماثلة, إنما اقل تكرارا عن المؤسسات السياسية خاصا فيما يتعلق بنواحي صنع القرار الحكومي بالنسبة إلي القضايا اليومية, والواقع أن المجالين مترابطان في شكل مباشر لأنه عبر العملية الدستورية السياسية الحكومية يتم وضع القواعد والهياكل السياسية التي تستند إليها آليات السوق. فالحاجة تدعوا إلي مديري مؤسسات أعمال قديرين والي أصحاب مشاريع ذوي خبرة ومحاسبين ومصرفيين ومهنيين آخرين لقيام اقتصاد السوق. ومن الناحية السياسية, لا غنىى عن مساهمات مشرعين وسياسيين علي مختلف المستويات, ولاسيما المستوي المحلي الجديد, يكونون جيدي التعليم والتدريب وأصحاب خبرة. ومن العقبات التي ينبغي التغلب عليها أيضا انعدام الفرص والأنظمة التعليمية في معظم البلدان المتجهة حديثا إلي الديمقراطية فالهياكل المؤسساتية وما يرافقها من سياسة اقتصادية سليمه يشكلان جزء فقط من الصورة، وبالاضافة إلي التعليم الأساسي فان التربية الوطنية وتلقين القيم من الأمور الحيوية أيضا. فالديمقراطية تستلزم التسامح والاستعداد لقبول الحلول الوسط واحترام الإجراءات الديمقراطية من قبل الشعب. ويمكن تلقين بعض هذه المبادىء في المدارس وبعض مؤسسات التعليم, ولكن بعضها الاخر يستلزم قيادة وحدة وطنية. وتشكل الاتصالات والمعرفة والإطلاع علي الأمور مجال آخر له علاقة مباشرة بالتعليم والتوعية, فثورة المعلومات والاتصالات التي حصلت في الثلاثين سنة الماضية أنتجت مجتمعات في البلدان المتقدمة هي أكثر اضطلاعا بكثير مما كانت عليه قبلا. ومعظم سائر أنحاء العالم متخلف عن هذه البلدان بقدر ما. وعقبة الاتصالات لها عدة أبعاد. أولا هناك بالطبع الحاجة إلي أن تكون الصحافة حرة ووسائل الإعلام الحرة مسئولة وفعالة في نقل وتحليل ما يصرح به ويدعيه السياسيون والمسئولون المنتخبون خاصة في ما يتعلق بالقضايا الاقتصادية. فدور وسائل الإعلام في إرساء الحرية السياسية مفهوم تماما, ولكن دورها في الحفاظ علي نمو اقتصادي يلقى قدرا اقل من الاهتمام. والتجارة تستلزم معلومات صحيحة عن الأوضاع الاقتصادية المحلية والعالمية من اجل وضع خطوط عمل وتسويق المنتجات واجتذاب الاستثمارات. ولذا فان قيام صحافة مختصة في شؤون المال سليمة وتتمتع بحرية نقل المعلومات الصحيحة ونقد السياسة الاقتصادية أمر أساسي جدا. الاتصالات البعيدة المدى ناحية بالغة الأهمية في هذا العصر الذي يشكل الإعلام والمعلومات قوته الدافعة. وليس هنا كثير من البلدان خارج بلدان العالم المتقدم لديه نظام هاتف واف أو اتصال كاف بشبكة الاتصالات ببعيدة المدى الدولية وعلي سبيل المثال قد تكون فترة الانتظار للحصول علي خط هاتفي في بعض البلدان أكثر من عشر سنوات وغالبا ما يكون مرد هذا إلي أن معظم الحكومات يدير قطاع الاتصالات في شكل هيئة احتكارية تملكها الدولة وتسىء أدارتها. مثل هذه الظروف تجعل من المستحيل القيام بأعمال تجارية علي نطاق دولي وحتى بين مدينتين في نفس البلد في بعض الأحيان, ومن الممكن حتى لعاصفة صغيرة أن تعطل شبكة الهاتف لساعات وحتى لأيام, وكل هذه عوامل تضعف النمو الاقتصادي وأداء مؤسسات الأعمال.لا شك في أن تطوير الخبرة المؤسساتية وأنظمة التعليم والبنية التحتية الخاصة بقطاع الاتصالات أمر باهظ الكلفة, وهي أمور ضرورية لإدارة مؤسسات الاقتصاد أو النظام السياسي الحديث وفي الواقع إن معالجة كل عقبة تقريبا ينبغي التغلب عليها وبالسعي إلي إقامة نظام ديمقراطي يقود إلي قضية الموارد. ولا تواجه كل البلدان بالطبع نفس القدر من التحدي. فمجموعة البلدان المصنعة حديثا ومعظمها في شرق آسيا وبعض البلدان الاخري تتمتع بحرية حركة اكبر من سواها. فليس فقط إن شعوب هذه البلدان هي أكثر تعليما واضطلاعا من شعوب البلدان الاخري, ولكن هذه الشعوب لديها أيضا وصول إلي أسواق ورؤوس الأموال الدولية وتنعم بنمو اقتصادي داخلي لا باس به ولكن كل بلد في العالم يواجه معوقات تتعلق بالموارد وتتراوح في شدتها بين ما تعانيه بلدان مثل الأرجنتين أو المجر من جهة, وبلدان مثل الحبشة وبنغلادش من الجهة الاخري. ولكن حتى في أفقر البلدان يمكن أن ينجز به أكثر بكثير مما ينجزه به حاليا, فالموارد المالية محدودة دائما, مما يعني إن الأولوية يجب أن تعطي للإنفاق الذي يبني الثورة المعلوماتية، وليس الإنفاق العسكري الذي يزيد دائما عن الإنفاق علي التعليم وهذا النهج يجب أن يتغير بل يجب أن يكون تغييره شرطا لتوفير المساعده من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والجهات المانحة الاخرى وهناك كميات أخري هائلة من الأموال يمكن أن تمنح إذا اتخذت التدابير الصائبة لتطوير القيم والمؤسسات الديمقراطية لتلعب دورا بالغ الأهمية في توسيع مدي الديمقراطية.