التوجهات المستقبلية للصناعة

لقد كان لتصحيح أسعار النفط التي حدثت في السبعينات الأثر الأكبر في ارتفاع معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي ومكوناته الرئيسية . فبعد أن كانت جملة الناتج المحلي الإجمالي متواضعة فيما قبل السبعينات ، شهدت فترة السبعينات حدوث أكبر نسب للتغيير في الناتج المحلي الإجمالي .وبالرغم من زيادة الناتج المحلي الإجمالي خلال عقد الثمانينات ، إلا أن تراجع أسعار النفط وحالة الركود الاقتصادي الذي ساد المنطقة خلال الثمانيات قد آثر على معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي ، إلا أن نسب النمو في القطاع غير النفطي كان لها الأثر الكبير في عدم انخفاض معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي بصورة مأساوية فبالنظر للمراحل السابقه من تطور الاقتصاد البحريني نجد ان الحكومه قد بذلت مجهودات كبيرة من أجل بناء قاعدة اقتصادية متينة ، حيث تبنت سياسة شاملة تهدف إلى بناء الهياكل الأساسية في الاقتصاد ، وتنويع مصادر الدخل والاستخدام الأمثل للموارد ورفع الكفاءة الإنتاجية للاقتصاد . ولقد لعب الإنفاق العام دورا رئيسيا في تنفيذ هذه السياسة ، وفي رفع مستوى ومعدل النمو الاقتصادي ، الأمر الذي خلق التزامات من الدولة لتوفير الخدمات الأساسية ، بالإضافة إلى تأمين العمل والوظائف للمواطن البحريني ، هذا بجانب مشاركتها الفعالة في القطاعات الإنتاجية من الاقتصاد وتبنيها للصناعات الكبيرة الموجودة على ارض الوطن وتتبنيها سياسة الاقتصاد الحر وتأمينها للقطاع الخاص حرية التصرف الاقتصادي ليلعب الدور المنوط به في التنمية الاقتصادية .وبالرغم من أن سياسة تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني كانت ومازالت من أهم أولويات الحكومة حتى انشأت وزارة خاصة بالصناعة إلا أن المحللين والباحثين يجدون بأنه لا مناص من تكثيف جهود الجميع لزيادة التنمية الصناعية غير النفطية أمام النضوب المتوقع لمورد النفط ، مع العلم بأن السياسات والخطط الحكوميه الرامية إلى تنمية هذة الصناعات قد حققت نجاحا كبيرا انعكس في معدلات نموها السنوي بصورة مضطردة ،

فمملكة البحرين بها العديد من مقومات التصنيع ، فبالإضافة الي توفر الغاز الطبيعي كأهم الموارد الطبيعية وكمصدر للطاقة التي تحتاجها الصناعة ، تتوفر مقومات البنية الأساسية القادرة على مواجهة متطلبات الصناعة ، من الكهرباء ووسائل النقل والاتصالات المتطورة ، بالإضافة إلى توفر القوى العاملة المدربة والمناطق الصناعية المزودة بخدمات البنية الأساسية . هذا بجانب المركز المالي والقطاع المصرفي المتطور ، والموقع الجغرافي المتميز في وسط طرق التجارة بين قارات العالم ولكن هناك ما زال بعض المعوقات التي سيترتب على وزارة الصناعة الجديدة ان تجد لها الحلول من خلال اتباع اهداف وخطط مستقبلية تعمل على تقليل آثار هذه المعوقات وتعظيم الفوائد من المقومات المتاحة .

ان حجم السوق المحلي الناتج عن صغر حجم السكان يستدعي بالضرورة التوجه إلى الأسواق الخارجية لتسويق المنتجات الصناعية ، مما يعرضها للمنافسة في الأسواق الخليجية والإقليمية والعالمية وهذا الأمر يستدعي دراسة المقدرة التنافسية للصناعات المحلية بغرض إزالة المعوقات ، والعمل على زيادة هذه المقدرة فالسوق الخليجية ، بالرغم من قربها ، إلا أن حجمها أيضا صغير ، بالإضافة إلى وجود بعض المعوقات الإدارية والجمركية التي تحد من سهولة تحرك المنتجات فيها ، بالرغم من التوجهات الحالية لإزالة هذه القيود ، كما أن السوق الخليجية بها درجات من المنافسة ، ليس فقط من المنتجات الخليجية ، بل أيضا من المنتجات العالمية . من الجانب الآخر ، هناك المنافسة في السوق المحلية من المنتجات المستوردة ، حيث إن الدولة تتبع سياسة الاقتصاد الحر وبالرغم من أن بعض أنواع المنافسة ضرورية ، بغرض تحسين المنتج وتحسين الأداء الصناعي ، إلا أن الخطورة تأتي من مسائل الإغراق الممكنة والمنافسة غير المتكافئة مع منتجات تحصل على فرص أكبر من الدعم والتمويل .ايضا عدم توفر الموارد الطبيعية عدا النفط والغاز ، مما يعني عدم توفر المواد الأولية لإقامة الصناعات ، ما عدا تلك المرتبطة بالطاقة ، مما يعني استيراد المواد الخام المطلوبة للصناعة .وهذا يستوجب وجود التمويل الصناعي ، فعدم توفر التمويل طويل المدى ، الذي يساعد على إقامة الصناعات الثقيلة التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة ، بالإضافة إلى عدم توفر تمويل للتصدير بالرغم من أن إنشاء بنك البحرين للتنمية والذي يعتبر من الإضافات المهمة الا أن البنك قد تم تأسيسه لخدمة قطاعات الاقتصاد المختلفة ، وليس القطاع الصناعي وحده ، بالرغم من أن القطاع الصناعي يأتي في أول اهتماماته .ويضيف ضعف التشابك الصناعي بين القطاعات الصناعية المختلفة لهذة المعوقات باخرى ، مما يستدعي إيجاد الصناعات الأمامية والخلفية لزيادة التكامل في مجالات الإنتاج الصناعي كما أن غياب التنسيق في إنشاء المشاريع الصناعية ، سواء أكان هذا التنسيق على المستوى المحلي ، أم الخليجي يؤدي إلى إقامة صناعات متشابهة تزيد من المنافسة ، وتقلل من فرص تسويق المنتجات الصناعية .ِحيث ان قلة المعلومات عن الفرص الاستثمارية المناسبة ، وخلق الفرص الجديدة وتقديم الأفكار الخلاقة في مجال الاستثمار الصناعي يعتبر أهم دعائم التطور والنمو الصناعي . وفي هذا المجال تحتاج الوزارة بالتعاون مع الجهات الأخرى الى إعداد الدراسات عن الفرص الاستثمارية والمساهمة في إعداد وتقييم دراسات الجدوى لبعض المشاريع وطرحها للقطاع الخاص المحلي والأجنبي كما ان هناك أيضا ضرورة لتوفير المعلومات عن المنتج المحلي وإعداد المواصفات والمقاييس ودرجات الجودة والقيام بالدعاية والإعلان للتعريف بالمنتجات المحلية ، مما يساعد في الترويج لها ، خاصة فيما يتعلق بالتسويق الخارجي .فالتوجهات المستقبلية للصناعة يجب ان تهدف إلى الاستفادة القصوى من مقومات الصناعة المتوفرة في الدولة والى الاستغلال الأمثل لها ، و إلى إزالة المعوقات وتذليل الصعاب التي تواجه التنميةالصناعية، و إلى إحداث تحويل هيكلي في قطاع الصناعة واستغلال الموارد المتاحة عن طريق تنمية نشاط إحلال الواردات وزيادة الصادرات وذلك بإيجاد المناخ الملائم للتنمية الاقتصادية . ويمكن للصناعة أن تنطلق إلى آفاق رحبة من النمو باستغلال الفرص المتاحة في زيادة التشابك والتكامل بين الصناعات القائمة ، وبالإضافة إلى إقامة الصناعات الأمامية والخلفية لتغطية السوق المحلية والخليجية .