استدامة نظام الضمان الصحي

بإصدار قانون الضمان الصحي قانون رقم «23» لسنة 2018 بتاريخ 7-6-2018 أصبح نظام الضمان الصحي البحريني الشامل خياراً استراتيجياً لتطوير جذري للنظام الصحي في مملكة البحرين. وباختلاف كبير بينه وبين أول وثيقة ضمان صحي إلزامي عالمياً والتي صدرت في ألمانيا عام 1883، حيث كان العمال يجبرون على دفع تكاليف العلاج وتطورت صيغة التأمين في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. فبريطانيا مثلاً لديها نظام وطني يمول بالأقساط الإلزامية والضرائب. وفي أمريكا يمول بالتأمين الخاص وباختيار نوع التغطية والطبيب بشكل ونوعية عالية من العناية والنظام إجباري. وعربياً فإن مصر كانت صاحبة أول وثيقة لتأمين العلاج الطبي في عام 1957، والكثير من الدول تحرص على نشر مظلة التأمين لتشمل غالبية مواطنيها إن لم نقل جميعهم، رغم زيادة حجم الاستثمارات الاقتصادية في الرعاية الصحية وخصوصاً المستشفيات الكبرى في ظل وجود تقنيات حديثة وتكنولوجيا طبية متطورة وأجور الخدمات الصحية الباهظة، وكذلك تكلفة العمليات الجراحية العالية، وارتفاع أسعار الأدوية. والتأمين الصحي تعريفاً عبارة عن اتفاق بين طرفين يتحمل فيه الطرف الأول النفقات المترتبة على الخدمات العلاجية المقدمة للطرف الثاني «فرداً كان أو جماعة»، مقابل مبلغ محدد يتم دفعة جملة واحدة أو على هيئة أقساط. والتأمين الصحي يعني أنه مقابل قسط معلوم مسبقاً يمكن للفرد والمؤسسة تجنب خسائر محتملة تؤدي لآثار اقتصادية واجتماعية وخيمة، وبالتالي فمن الأهمية بمكان وجود قسط معلوم يمكن احتسابه ووضعه ضمن الميزانية المرصودة مسبقاً، وبالتالي فان التأمين أحد الطرق الأكثر فعالية في التعامل مع الأخطار مع أهمية العمل على وجود منظومة تأمين صحي بأفكار مبتكرة، فوجود نظام صحي قوي سيكون له عظيم الأثر على زيادة الإنتاجية ومكافحة الفقر بأشكاله، باعتبار أن توفير معدلات الخدمة الجيدة ستدفع المواطن للوثوق بالحكومة، وسوف تعمل هي لصالحه ولصالح أولاده في المستقبل. ويجب العلم أن الضمان الصحي أو التأمين لا علاقة له بفقر الدولة أو غناها، فقد نجحت بعض الدول وهي أكثر فقراً من غيرها في صنع أنظمة تأمين صحي مثالية جداً، وفي غاية السهولة، والأمر لدينا يتوقف فقط على وجود إرادة قوية لدى الدولة، وتصميم على تقديم خدمات متميزة للمرضى بجانب إيجاد حلول مبتكرة للتغلب على مشكلة التمويل، وعند عرض مشروع أو قانون للتأمين الصحي يجب الأخذ أولاً بما هو أهم المشكلات التي يعاني منها النظام الصحي وهل يمكن حل جميع هذه المشكلات بإصدار وتنفيذ قانون للتأمين الصحي؟ أم أنها تحتاج لخطة شاملة للإصلاح الصحي يضمنها قانون فاعل للتأمين الصحي؟ وهل يحقق القانون تغطية شاملة للسكان في أقرب وقت وبخدمات مقبولة الجودة بالمعايير الدولية، وبتكلفة تتحملها الدولة والمواطنون؟ فالتأمين الصحي يقوم أساساً على مفهوم توزيع الخطر المتوقع الذي قد يواجهه الفرد، مما يؤدي إلى تخفيف الأعباء والتكاليف المترتبة عند معالجة الحالات المرضية الطارئة أو العادية التي يتعرض لها المؤمن عليهم وهو بذلك نظام اجتماعي يقوم على التعاون والتكافل بين الأفراد لتحمل ما يعجز عن تحمله أحدهم بمفرده، فشركات التأمين تنظم الاستفادة من توزيع الخطر لقاء أجر معلوم فهي أي شركات التأمين تتعامل مع الإنسان بما لديه من تباينات المتلقي للخدمة أي المواطن والمستفيد من عوائدها أي المستشفيات والأطباء. فقرار حدوث المطالبة وحجمها يحدث من المستفيدين منها، فعدم وجود خبرات متخصصه خاضعه لمتغيرات عديدة ومستمرة تتماشى مع التطور الطبي المستمر ونتيجة لندرة هذه الخبرات، فكلف التشغيل وتفشي ظاهرة سوء الاستخدام وكثافة المطالبات تصبح باهظة، فحداثة هذا العلم ومحدودية الخبرات المتراكمة في الأسواق الخليجية يمكن أن تؤدي إلى اللجوء إلى انتهاج سياسة التجربة والخطأ.

فقد أثبتت التجارب العملية لبعض البلدان أن العناية الطبية المجانية تشتمل على سوء استعمال وإسراف في استخدام المرافق الطبية والمعدات والأدوية، مما يمثل ضغطاً على ميزانيات الدول. ومن الأهمية التأكيد على أن الخدمات الصحية في البحرين تشمل المواطنين والمقيمين من خلال المستشفيات العامة والمراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة والوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى كما أن المستشفيات والعيادات الخاصة تغطي نسبة محدودة من الخدمات للمواطنين.

أما مع تغير الأوضاع الاقتصادية فقد أصبح من الصعب المحافظة على مجانية الخدمات الصحية العلاجية، حتى أن معظم دول الخليج بدأت تتقاضى رسوماً مقابل الخدمات الطبية التي تقدمها وخصوصاً من الأجانب. وبدأت بانتهاج مبدأ التأمين الصحي وبلغت الأقساط التأمينية فيها مئات الملايين من الدولارات.

وتأتي أهمية هذا المشروع لما تواجهه الخدمات الصحية في العالم من تحديات كبيرة لتوفير مستوى جيد من الخدمات بتكاليف يتحملها الفرد والمجتمع بالمشاركة لتجنيب الحاجة إلى الإنفاق المباشر من قبل الأفراد لمبالغ كبيرة لا يتحملونها خصوصاً أن تكلفة الخدمات الطبية كبيرة. وتزداد التكلفة بسبب التطور السريع للتقنية الطبية المكلفة والزيادة التضخمية في أسعار الأدوية والمواد الطبية. والملاحظ أن هناك عزوفاً من شركات التأمين عن التأمين الصحي فالنتائج المالية لهذا النوع من التأمين غير مرضيه سواء لشركات التأمين أو لشركات الإعادة.

ولذلك من الطبيعي أن تتجنب شركات التأمين إصدار عقود تأمين صحي لأفراد أو مؤسسات صغيره لاسيما أن معظم شركات التأمين عجزت عن أن تغطي مصروفاتها، بل تجاوز الأمر ذلك بحدوث خسائر، والسبب الرئيس في حدوث هذه الخسائر ما تشهده صناعة التأمين الصحي من سوء استخدام للخدمات الطبية المقدمة من خلال ما قدموا الخدمات والمستفيدون من الخدمات. ويمكن أن تكون هناك معوقات بسبب الجهات الرسمية والتشريعية كعدم وجود قوانين وتشريعات تحث على التأمين الصحي أو تلزم به مع التقصير في محاسبة مقدمي الخدمة ممن يثبت استغلالهم أو تكرار أخطاؤهم والتقصير في تحديد الأجور الطبية والتقصير وفي الإشراف على مقدمي الخدمات الصحية وضعف أو انعدام الرقابة السليمة لعدم وجود الكفاءات المؤهلة في الإدارة الصحية والأهم نقص أو انعدام نظم المعلومات والإحصاءات والدراسات عن اقتصاديات الخدمات الصحية بما في ذلك التأمين الصحي.

فمن الواضح أن البحرين تحتاج لتطوير خدماتها الصحية إلى خدمات مستدامة عالية الكفاءة والفعالية قادرة على تقديم خدمة جيدة للمواطنين والمقيمين ضمن شراكة فعالة بين القطاع العام والخاص والتحول إلى نظام صحي تكافلي شامل.

خلاصة القول، أن نجاح صناعة التأمين الصحي في البحرين يرتبط بتحقيق معادلة تضمن حصول المؤمن على خدمة جيدة وحصول مقدمي الخدمة على حقوقهم المنصفة وحصول شركات التأمين على نتائج مالية معقولة وهذا بحاجة إلى أن مجلس النواب يبدأ في دراسة بعض المشاريع بقانون من الآن حتى لا يجبروا على قبول أمور قد تكون ليست في صالح المواطن والمقيم عند تقييم مشروع الحكومة من قبل المجلس.