ما بين البطالة الطبيعية والبطالة المقنعة

يسعى العديدُ من الأفراد في المجتمع للحصول على عملٍ في مجال ما سواءً أكان مُرتبطاً في دراستهم أو عن طريق الأعمال المهنيّة العامّة ولكن يُعاني الكثير منهم في صعوبة لإيجاد العمل المُناسب لهم بسبب عدم توافر الفرص الوظيفيّة المُتاحة دائماً أو لعدم توافق المُؤهّلات والخبرات الخاصّة بهم مع الأعمال المطروحة في سوقِ العمل ممّا يُؤدّي إلى تأخّرهم في الحصولِ على العمل وقد يتوقّف بعضهم عن البحثِ على وظيفةٍ مُناسبة وينتج عن ذلك زيادة في نسبة عدد العاطلين عن العمل.

ويُطلق على هذه النّسبة مُسمّى البطالة والتي يتمُّ جمع العديد من الإحصاءات السنويّة حولها لأنّها تُعتبرُ جُزءاً من المُعدّلات الاقتصاديّة العامّة لأيّ دولةٍ من دول العالم، ورغم تعدُّد تعريفات البطالة، فإن منظمة العمل الدولية، استقرَّت على أن «البطالة هي عدم العمل مع الرغبة فيه»، ويقصد بالعمل «العملُ الذي يجرُّ نفعاً ماديّاً»، وعرَّفت العاطل بأنه «كل مَن هو قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه ويقبَله عند مستوى الأجر السائد، ولكن دون جدوى «فربَط التعريفُ بين العمل والأجر من جهة وبين العمل والرغبة فيه من جهة أخرى وتعد البطالة من القضايا التي تُؤثّرُ على المجتمع بشكلٍ سلبيّ لأنّها تنتشر بين فئاتِ الشّباب القادرين على العمل لذلك لا تُستخدَم مُطلقاً مع الكبار في السنّ أو الأطفال أو الأفراد الذين يُعانون من أمراضٍ عقليّة وذهنيّة أو حاجاتٍ جسديّة خاصّة تمنعهم من القيام بأيّ نوعٍ من أنواع الأعمال والتي تُشكّل عوائقَ لهم فهؤلاء يُصنّفون خارج القوى العاملة للدّولة فالبطالة تعتبر مِنْ إحدى أكبر المُشكلات التي تعاني منها جميع الدّول في العالم لأنّها ترتبطُ بوجودِ نسبةٍ مِنَ الأفراد الذين يمتلكون القدرة على العمل ولكنهم يفتَقِرونَ لإيجادِ الوظيفةِ المناسبة لهم والتي تُساهم في تحقيقِ الدّخل الذي يُساعدهم على تغطيةِ احتياجاتهم الأساسيّة من المصاريف والالتزامات الخاصّة بهم. كما أنّ للبطالةِ مُعدّلٌ يرتبطُ في حسابِ نسبةٍ مئويّةٍ خاصّة بها والذي يعتمد على معرفةِ الأسباب التي تُؤدّي إلى ظهور البطالة في المُجتمعات كافّة والطُّرق المُناسبة للتّعاملِ معها بطريقةٍ صحيحة وأيضاً للبطالةِ مجموعةٌ من الأنواع المُختلفة والتي تُؤثّرُ بشكلٍ كبير على الاقتصاد الوطني بصفتها من إحدى المُعدّلات الرّئيسة المُرتبطة بالتّنمية الاقتصاديّة واهمها البطاله المقنعه حيث تظهر البطالة المقنعة إذا كان هناك جزء من القوة العاملة إما من دون عمل أو أن وجودهُ زائداً عن الحاجة الفعلية وبالتالي تكون إنتاجية هذا العامل صفرا وهي رغم ذلك بطالة لا تؤثر على الإنتاج الكلي.

وتنتشر البطالة المقنعة في الاقتصاد عندما تكون الإنتاجية منخفضة وأبرز صورها تكدس العاملين في الأجهزة الحكومية بما يفوق احتياجات تلك الأجهزة، وهذا النوع من البطالة أصبح ظاهرة مُنتشرة في مُعظم مؤسسات القطاع العام والأجهزة الحكومية.

وقد يظن البعض بأنّ مخاطر البطالة الظاهرة هي أكبر وأخطر من مخاطر البطالة المُقنعة لكنّ الجواب أنّ خطر البطالة المُقنعة لا يقل بسلبياته عن مخاطر البطالة الظاهرة، فاليوم سوق العمل يعاني من مشكلة كبيرة وهي ليتها تكون البطاله بل البطاله المقنعه، وهي الذهاب إلى مقر العمل دون وجود أي عمل سوى الجلوس على المكتب وانتظار وجبة الإفطار واستلام الراتب الشهري دون عمل. وهذا يعني أن البطالة المقنعة وظيفة أصبحت لها راتب فهناك عمال يعملون اسماً لا فعلاً ويقبضون أجوراً ورواتب دون أي إنتاجية فعلية، ويتكدسون في المنشات والمؤسسات الحكوميه دون أن تقتضي الضرورة الاقتصادية بوجودهم أي أنهم عمالة فائضة لا حاجة لها ولا تنتج شيئاً ويمكن أن يسير العمل بدونها حيث إذا سحبت هذه العمالة لن يتاثر حجم الإنتاج وهي موجودة بكثرة في أغلب إدارات القطاع العام حيث كان التعيين سابقاً يتم بشكل عشوائي وبدون دراسة حاجة هذه الإدارات إلى هذه العمالة حيث أضحت اليوم هذه البطالة المقنعة مشكلة كبيرة جداً للقطاع العام بكل أشكاله حيث أصبح مشبعاً بالعمالة الزائدة وهذه العمالة غير مؤهلة وكسولة تعودت أن تقبض الرواتب بلا عمل وهي اليوم تحتاج إلى معالجة لاسيما إعادة تأهيل وإعادة تدوير أو التسريح القسري او التقاعد المبكر.

وأيضاً هناك مشكلة أخرى وهي وضع الأشخاص في الأماكن غير المناسبة لهم وغير مؤهلين فالموظف للوظيفة وليس العكس، ولذلك يجب أن لا يظن المواطن أن الحملة العاطفية كافية لتوظيفه في أي موقع يريد دون أن تتوفر لديه متطلبات وشروط شغل الوظيفة، فما نحتاجه إلى جانب العاطفة هو برامج التعليم والتدريب المناسبة التي تخرج المواطن المنافس المطلوب بسبب قدراته وليس بسبب هويته. وأخيراً فنحن نتفق على أن الأولوية يجب أن تكون لحل مشكلة البطالة، وأن البحرنه المقننة قد لا تقضي على البطالة كما أن حل مشكلة البطالة بقرار إداري قد لا يحقق البحرنة.

وانطلاقاً من ذلك يمكن القول إننا أمام مشكلتين، مشكلة التعامل مع الوضع القائم، ومشكلة وضع أنظمة وتنظيمات للمستقبل، وعلينا أن نحذّر حتى لا تتجه كافة جهودنا نحو معالجة الأوضاع القائمة بأثر رجعي على حساب التخطيط للوضع القادم.