توطين الوظائف

هدفت سياسة «البحرنة» التي انطلقت في سبعينات القرن الماضي في البحرين في القطاعين العام والخاص، إلى حلّ مشكلة البطالة وخلق وظائف للبحرينيين وما يسمى توطين الوظائف، لكنها تطورت لاحقاً لتمكين المواطن البحريني من الحصول على أفضل الخدمات التدريبية والتعليمية، وعلى وظائف بأجور أعلى، إضافة إلى بيئة معيشية أحسن، وذلك من خلال حزمة تحفيزات ومميزات لتشجيع القطاع الخاص على توظيفه. ولا شك في اننا مازلنا للان نعاني من ارتفاع نسبة البطالة المنتشرة بين صفوف أبنائنا، والتي أدت الى ممارسات سلبية ظهرت على اثرها المشكلات السياسية والطائفية التي تجرعنا ويلاتها لفترة من الزمن الأمر الذي كان بمثابة دق لناقوس الخطر، لتظهر بعدها العديد من السياسات والرؤى التي عملت جاهدة نحو تطويع القوانين والظروف والموارد الراهنة لوضع خطط ناجحة وفاعلة نحو توطين الوظائف الحكومية والخاصة مع إدارة تدفق العمالة الوافدة وتعزيز فرص العمل المتاحة للمواطنين ولكن مشكلة البطالة في البحرين لم تحل، فعدد القوى العاملة في ازدياد ونسبة غير المواطنين من القوى العاملة أيضاً ونسبة البطالة ما زالت مرتفعة، ولا يزال القطاع الخاص يعاني من مشكلات البحرنة في الوقت الذي استطاع القطاع الحكومي توظيف غالبية البحرينيين. وفي إطار خطة الحكومة البحرينية لتعزيز فرص التوظيف أمام مواطنيها، رصدت للشركات نسبة معينة من المواطنين يجب توظيفهم في كل واحدة. وفي القطاعات غير الحيوية، تنخفض نسبة «التوطين»، وبالرغم من أن الدولة فرضت نظام الكوتا على أصحاب العمل في التسعينات، فقد اضطرت إلى تقليصها لنسب متفاوتة حسب القطاع في مراحل لاحقة لفشل المشروع الأولي. ومع بداية الألفية الجديدة، عمدت الدولة إلى طرح برامج تدريبية في مجال سياسات البحرنة، وتم تقليص التكلفة بين العامل الأجنبي والبحريني، وأُلغي قانون الكفالة، بالإضافة إلى توفير برامج تدريبية لتلبية حاجة السوق لوظائف دون غيرها. وأثبتت التجارب السابقه أن لا فائدة حقيقية في أسلوب توطين الوظائف الذي تستخدمه الدوله لمعالجة مشكلة البطالة، في نطاق تداعيات أزمة الموارد التي ترتبت على هبوط أسعار النفط ومداخيله، فالنموذج الاقتصادي للبحرين قائم على العمالة الرخيصة، وهذا ما يعطيه ميزة تنافسية في الاقتصادات الخليجية سواء في التسويق أو في وضع دراسات جدوى المشاريع المؤسسة على هذا النوع من العمالة، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى تمكين أصحاب الأعمال المحليين في الأسواق المحلية، والمشاريع الموجهة للتصدير، من التنافس في الأسواق المصدرة لها فليس من الممكن أن تتخلى الشركات المحلية عن إحدى الصفات المشجعة على التعاطي معها من أجل إحلال العمالة الأجنبية إلا إذا كان هناك ما يعوض هذه الخسارة أو أن هناك إرادة طيّبة، ففشل البحرنة يعود إلى تركيز سياساتها على جانب العرض دون النظر إلى ما هو متوافر في السوق من احتياجات، عدا أن هناك مشكلات انعكست على السياسات التي تطبق في التعليم والتوظيف والمنح وغيرها من المجالات ذات العلاقة، وثبت أيضاً أن إجبار أرباب العمل على توظيف نسبة محددة من المواطنين لا يجدي أحياناً. فبعض الموظفين من المواطنين لا يتعاملون كما يجب مع الزبون في حال دخوله المحل، لأنه يعرف ضمناً أن وجوده هنا في المتجر يجعل حكومته سعيدة، وأنه على الأرجح لن يُطرد من وظيفته إذا تصرف بطريقة غير لائقة، كأن لا يستقبل الزبون جيداً في حال دخوله المتجر.

ومن أهم الوسائل التي تحتاج إليها لكي تحبب الشركات في توظيف المواطنين هي أن تقلص فجوة الأجور بينهم وبين الأجانب، ومن جانبها أعلنت الحكومة عن فرض زيادة كبيرة على رسوم التأشيرات على العمال الأجانب وسمحت للشركات أن تتجاهل حصص التوطين إذا دفعت للحكومة رسوماً عن توظيف أي أجنبي، إلا أن المشكلة الأكبر هنا تكمن في غياب كفاءات بحرينية محلية تحل مكان الوافدة خلال السنوات القليلة القادمة، كما أن تأهيل البديل الوطني يتطلب سنوات طويلة، لاسيما في مجتمع اعتاد على رفاهية قدمها له قطاع الدولة على مدى عقود بفضل الطفرة النفطية، وهو ما أوجد ثقافة وتقاليد عمل مهنية ضعيفة للغاية في صفوف الشباب البحريني، خاصة في مجال المهن البسيطة والمتوسطة، فحين نراقب الوظائف ذات البيئة الجاذبة، لا بد أن نركز على المهن الذكية حيث تنخفض الحاجة إلى المجهود البدني وساعات العمل المضنية لمصلحة الاستغلال الأمثل للقدرات الذهنية كمجالات الحاسب الآلي والخدمات الاستشارية وخدمات التحليل وهي تحتاج إلى مؤهلات عالية وإتقان يسمح للمنافس أن يكون قادراً على التفاعل مع تطورات العلم والتقنية والتخصص الذي يمارسه وتبقى مجموعة من الوظائف ذات المردود المميز التي تتطلب مجهوداً أكبر من الوظائف التقليدية وتحليلاً جيداً وتدريباً مناسباً لتكون المجموعة الأكثر مثالية في السوق لمن لا يستطيعون ممارسة أي من النوعين الآخرين لأسباب أسرية أو لعدم وجود علاقة أو انخفاض التأهيل ويغلب على هذه المجموعة الارتباط بالمبيعات وهي مكونة من عدد غير محدود من الفرص الوظيفية.

واخيراً إذا كانت هناك إرادة لتوطين الوظائف فيجب أن تشرّع، وهو أمر غير كافٍ، إذ من الضروري أن يرفد بسياسات عملية وآليات لتنفيذ السياسات ومتابعتها بفعالية وفق برنامج تنفيذي، مع تقارير دورية عنها للتأكد من تحقيق النتائج المرجوة منها.